محمد الأمين عبد النبي

كشفت الحرب أن الأزمة السودانية أعمق من مجرد صراع على السلطة، وأن إنهاءها لا يمكن أن يتم عبر تسوية مؤقتة، وإنما يحتاج إلى حوار حول مائدة مستديرة قادر على إنتاج حلول قابلة للتنفيذ، ووضع قواعد جديدة لإدارة الاختلاف؛ حوار يبحث عن أرضية مشتركة، ويحوّل المظالم المتراكمة إلى معالجات توافقية.

وجوهر العملية السياسية أن يتحرك كل طرف خطوة باتجاه الآخر، من دون أن يعني ذلك مساواة الحق بالباطل أو إسقاط المسؤولية عن الانتهاكات. فهناك مبادئ لا ينبغي أن تكون موضع تفاوض، في مقدمتها وحدة السودان، وحماية المدنيين، ورفض العنف، والمواطنة المتساوية، والدولة المدنية الديمقراطية، وإبعاد العسكريين عن الحكم.

أظهرت التجارب السودانية محدودية مسارين رئيسيين. أولهما حوار تثبيت الأمر الواقع، كما في تجربة "حوار الوثبة". وثانيهما الاتفاق الثنائي بين المتحاربين، الذي ينتهي غالبًا إلى تقاسم السلطة والثروة. ومثل هذه الاتفاقات لا تعالج بالضرورة جذور الأزمة، فتظل أسبابها قائمة وقابلة للانفجار.

وتكمن المعضلة في أن كلا المسارين يتعامل مع السودان باعتباره أزمة "سلطة"، بينما تكشف الحرب عن أزمة "دولة" تشمل اختلال العلاقة بين المركز والأقاليم، وأزمات العدالة والمواطنة والتنمية والهوية، وتعدد الجيوش. ومن هنا تبرز الحاجة إلى طريق ثالث: عملية سياسية شاملة تبدأ بوقف إطلاق النار وتهيئة المناخ، ثم تعالج جذور الأزمة، وتنتهي إلى عقد اجتماعي جديد.

نجاح الحوار يتطلب معايير واضحة للتمييز بين القوى التي تبحث عن هندسة جديدة للدولة وتلك التي تستخدم الحوار لشرعنة الواقع. ويمكن تحديد أبرز مصادر التخريب في أربع فئات:

أولًا: الشعبويون وأصحاب الشعارات الذين يحولون السياسة إلى تعبئة واستقطاب، بما يضعف فرص التوافق.

ثانيًا: القوى المصنوعة فاقدة الاستقلالية، التي لا تمتلك وزنًا أو إرادة مستقلة، وتعمل كواجهات لمصالح أحد طرفي الحرب.

ثالثًا: أمراء الحرب وشبكات المصالح والانتهازيون، الذين أصبحت الفوضى بالنسبة إليهم مصدرًا للنفوذ والثروة والامتيازات.

رابعًا: عناصر الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، المتمسكون بمنهج الانقلاب والعنف، والساعون إلى استعادة نظامهم الاستبدادي.

ويقوم حوار الطريق الثالث على تسعة استحقاقات مترابطة:

1. اتفاق على وقف إطلاق النار بمراقبة دولية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ووقف خطاب التحريض والكراهية.

2. سودنة العملية السياسية، مع الاستفادة من الدعم الإقليمي والدولي بوصفه عاملًا للتسهيل والضمان.

3. تمثيل حقيقي للقوى السياسية والمدنية، وفق معايير واضحة، مع استبعاد القوى التي أفسدت الحياة السياسية أو تور.

تورطت في الحرب.

4. الاتفاق على قواعد الحوار ومبادئه وآليات تنفيذ مخرجاته.

5. مخاطبة جذور الأزمة الوطنية، خصوصًا اختلال العلاقة المدنية- العسكرية، وعلاقة المركز بالأقاليم، وقضايا الهوية والمواطنة والتنمية.

6. الإصلاح الأمني والعسكري بما ينهي تعدد الجيوش، ويضع المؤسسات العسكرية والأمنية تحت السلطة المدنية.

7. إقرار العدالة الانتقالية والمساءلة بما يحفظ الحقوق ويمنع الإفلات من العقاب.

8. الاتفاق على ترتيبات انتقالية محددة المدة تنتهي إلى انتخابات حرة، ولا تتحول إلى انتقال مفتوح.

9. صياغة عقد اجتماعي جديد، مع وضع آليات واضحة للتنفيذ والضمان والمراقبة.

السودان لا يحتاج إلى حوار صفقات، وإنما إلى عملية سياسية تاريخية تؤسس قواعد جديدة للحياة السياسية. والمطلوب ليس أن يتفق السودانيون على كل شيء، فهذا غير ممكن، وإنما أن يتفقوا على كيفية إدارة اختلافاتهم ديمقراطيًا من دون حرب أو انقلاب.

ومن هنا، فإن الطريق الثالث هو مسار لبناء دولة تتسع للجميع، وتنقل السودان من منطق الغلبة إلى منطق التوافق، ومن إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...