مهدي داود الخليفة

 

هل يُعقل أن يصبح السودان، الذي كان يومًا مرشحًا لأن يكون سلة غذاء العالم، بلدًا يقف ملايين من مواطنيه في طوابير الإغاثة انتظارًا لكيس دقيق أو حصة غذائية؟

وهل يمكن للعالم أن يصدق أن بلدًا يمتلك ملايين الأفدنة الصالحة للزراعة، ونهر النيل وروافده، ومخزونًا ضخمًا من المياه الجوفية، وثروة حيوانية تُعد من الأكبر في إفريقيا والعالم العربي، أصبح عاجزًا عن توفير الغذاء الكافي لشعبه؟

إنها واحدة من أكبر المفارقات المأساوية في التاريخ السوداني الحديث.

وفي الوقت الذي يتراجع فيه الإنتاج الزراعي السوداني عامًا بعد عام، تحقق دول أخرى في الإقليم قفزات نوعية في الإنتاج الزراعي.

فقد أعلنت إثيوبيا إنتاج نحو (33) مليون طن من القمح خلال الموسم الزراعي الأخير، لتصبح أكبر منتج للقمح في إفريقيا، بعد أن استثمرت بصورة واسعة في التقاوي المحسنة، والبحوث الزراعية، والري، والميكنة الحديثة.

أما مصر فقد تجاوز إنتاجها (9) ملايين طن من القمح، مع استمرار برامج التوسع الزراعي واستصلاح الأراضي.

وفي المقابل، لا يزال إنتاج السودان من القمح يدور حول (650) ألف طن فقط، بالرغم من أن إمكاناته الطبيعية تؤهله لإنتاج أضعاف ذلك.

إن المقارنة هنا ليست مقارنة بين دول تختلف في الموارد، وإنما بين نماذج مختلفة في الإدارة.

فبينما جعلت بعض الدول الزراعة قضية أمن قومي، ظل السودان يعاملها باعتبارها قطاعًا هامشيًا يخضع لتقلبات السياسة والحروب.

لقد أثبتت الحرب أن امتلاك السلاح لا يكفي لحماية الدول، فالدول التي تعجز عن إنتاج غذائها تصبح أكثر عرضة للضغوط السياسية والاقتصادية، وأكثر اعتمادًا على الخارج في تلبية احتياجاتها الأساسية. ومن هنا لم يعد الأمن الغذائي قضية زراعية فحسب، بل أصبح أحد أهم مرتكزات الأمن القومي.

ويمتلك السودان فرصة استثنائية قد لا تتكرر، فالعالم يشهد تزايدًا مضطردًا في الطلب على الغذاء نتيجة النمو السكاني، والتغيرات المناخية، وتراجع الإنتاج الزراعي في كثير من المناطق، والاضطرابات التي أصابت سلاسل الإمداد العالمية، منذ جائحة كورونا ثم الحرب في أوكرانيا، وما تبعها من ارتفاع في أسعار الحبوب والأسمدة والطاقة. وفي ظل هذه التحولات، أصبحت الدول القادرة على إنتاج الغذاء تحتل موقعًا استراتيجيًا في الاقتصاد والسياسة الدوليين.

ولو نجح السودان في استعادة السلام وبناء مؤسسات دولة فاعلة، وإطلاق برنامج وطني لإحياء القطاع الزراعي، فإنه يستطيع خلال سنوات قليلة أن يتحول إلى أحد أكبر مراكز إنتاج الغذاء في إفريقيا والعالم العربي. فالمسألة لا تتعلق بنقص الموارد، بل بكيفية إدارتها، وبوجود رؤية وطنية تجعل الزراعة قاطرة للتنمية الاقتصادية، والصناعة الزراعية، وزيادة الصادرات، وتوفير فرص العمل، واستقرار المجتمعات الريفية.

إن إعادة تأهيل مشروع الجزيرة، وتطوير مشاريع: الرهد وحلفا الجديدة والسوكي، والاستثمار في الزراعة المطرية بولايات: القضارف وسنار والنيل الأزرق وكردفان ودارفور، مع إدخال التقنيات الحديثة، والتوسع في الصناعات الغذائية وسلاسل القيمة، يمكن أن يضاعف الإنتاج الزراعي ويعيد للسودان مكانته التي فقدها خلال العقود الماضية.

كما أن السودان يمتلك فرصة ليصبح مركزًا إقليميًا لتصنيع وتصدير المنتجات الزراعية، بدلًا من الاكتفاء بتصدير المواد الخام. فالقيمة الاقتصادية الحقيقية لا تتحقق بإنتاج القطن أو السمسم أو الفول السوداني أو الصمغ العربي فحسب، وإنما في تصنيعها محليًا وإضافة القيمة إليها قبل تصديرها، بما يسهم في زيادة الدخل القومي، وخلق آلاف فرص العمل، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد السوداني.

إن الحرب كشفت هشاشة الاقتصاد السوداني، لكنها في الوقت نفسه كشفت حجم الإمكانات الكامنة التي لا تزال تنتظر من يحسن استثمارها. ولذلك فإن إعادة إعمار السودان يجب ألا تقتصر على تشييد الطرق والجسور والمباني، بل ينبغي أن تبدأ بإعادة بناء الإنسان، وإحياء الريف، واستصلاح الأرض، وتمكين المزارعين، لأن الأمن الغذائي سيكون حجر الأساس لأية نهضة اقتصادية مستدامة.

لقد آن الأوان لأن يتوقف السودانيون عن ترديد مقولة "سلة غذاء العالم" باعتبارها شعارًا سياسيًا، وأن يحولوها إلى مشروع وطني يقوم على العلم، والاستثمار، والشفافية، والإدارة الرشيدة. فالدول لا تنهض بما تملك من موارد فحسب، وإنما بما تمتلكه من مؤسسات قادرة على تحويل تلك الموارد إلى إنتاج وثروة ورفاه.

وحين يتحقق السلام، وتعود عجلة الإنتاج إلى الدوران، لن يكون السودان مجرد بلد يخرج من الحرب، بل يمكن أن يصبح نموذجًا إفريقيًا في إعادة البناء عبر الزراعة، ودولةً تسهم في تحقيق الأمن الغذائي الإقليمي، بعد أن عانت سنوات طويلة من طوابير الإغاثة وانتظار المساعدات.

لقد أثبتت التجارب العالمية أن الدول التي نجحت في تحقيق التنمية بدأت من الأرض.

والسودان يمتلك أرضًا لا تزال قادرة على العطاء.

ويبقى السؤال الذي سيحكم مستقبل الأجيال القادمة:

هل يستمر السودان أسيرًا للحرب والصراع، أم يختار طريق السلام والإنتاج؟

فلا مستقبل للسودان دون زراعة.

ولا زراعة من دون سلام.

ولا سلام مستدامًا بلا تنمية، وعدالة، ومؤسسات قوية، وإرادة سياسية تجعل من الأمن الغذائي قضية وطنية لا تقل أهمية عن حماية الحدود.

فالأرض ما زالت موجودة.

والنيل ما زال يجري.

والشعب السوداني ما زال يمتلك الخبرة والإرادة.

أما الفرصة، فما زالت قائمة، لكنها لن تبقى إلى الأبد.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...