محمد الأمين عبد النبي

 

في عمودٍ سابق بعنوان "حرب السودان: صناعة الداخل واستثمار الخارج"، خلصتُ إلى أن عجز السودانيين فتح الباب أمام تعاظم أدوار الفاعلين الإقليميين والدوليين، حتى بات مسار الأزمة مرتبطًا بتحولات موازين الخارج أكثر من ارتباطه بالداخل. ومع تصاعد خطاب المؤامرة، غابت حقيقة جوهرية، وهي أن التدخلات الخارجية ما كانت لتبلغ هذا المستوى لولا الفراغ الذي أنتجه الداخل، فأصبح رهينًا لتسويات الخارج وتعقيدات صراعاته.

 

لقد تحولت الأزمة السودانية إلى معادلة مركبة تتداخل فيها حسابات الفاعلين الوطنيين مع رهانات المحاور الإقليمية واستراتيجيات القوى الدولية، لتغدو الحرب ساحةً لإعادة تشكيل النفوذ وتقاطع المصالح. وأسهم هذا التشابك في إطالة أمد الصراع نتيجة غياب الإرادة لدى أطرافه، في ظل بيئة إقليمية ودولية لا تزال تنظر إلى السودان باعتباره مجالًا للمنافسة الاستراتيجية.

 

ولم تعد الحرب وسيلةً لتحقيق أهداف سياسية أو عسكرية، فقد أضحت منظومةً تُنتج مصالح اقتصادية وشبكات نفوذ تستفيد من استمرارها أكثر من نهايتها. وقد رسخت اقتصاديات الحرب حوافز تدفع بعض الفاعلين إلى إدامة الصراع، مما أفقد كثيرًا من المبادرات مضمونها، وجعلها تُستخدم لإعادة التموضع أو كسب الوقت، بدلًا من أن تكون مسارًا نحو تسوية نهائية. لذلك، فإن نجاح أي اتفاق سلام يظل مرهونًا بتوازنات واقعية، وإرادة وطنية، وضمانات إقليمية ودولية فعالة، بما يمنع إعادة إنتاج دورة الصراع.

 

كما أن استمرار الحرب لم يعد شأنًا داخليًا، فقد أصبح مصدر تهديدٍ للأمن الإقليمي، عبر هشاشة الحدود، واتساع شبكات تهريب السلاح والجريمة المنظمة، وتنشيط الجماعات المتطرفة، فضلًا عن مخاطر انهيار الدولة وما يترتب عليه من فراغات أمنية واستنزاف اقتصادي وإنساني يطال المنطقة بأسرها.

 

دوليًا، يكشف التحول في السياسة الأمريكية، في ضوء توجهات الأمن القومي لعام 2025، عن مقاربة براغماتية تركز على احتواء تداعيات الصراع بما يحفظ المصالح الأمريكية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وضمن هذا التصور، تراجع ملف السودان ليصبح جزءًا من معادلة إقليمية تحكمها اعتبارات المنافسة مع الصين وروسيا، مع إسناد إدارة الأزمة إلى الحلفاء الإقليميين.

 

وتأسيسًا على ذلك، فإن المخرج يكمن في عملية سياسية تتجاوز منطق الغلبة وتقاسم السلطة بين المتحاربين، وتؤسس لانتقال مدني ديمقراطي. وعليه، يشكل إدماج القوى المدنية في عملية شاملة لوقف إطلاق النار، والاستجابة الإنسانية، وتصميم الحل السياسي، مدخلًا استراتيجيًا لتكوين "كتلة ثالثة" تنقل التفاوض من منطق المحاصصة إلى بناء شرعية توافقية، بما يتيح قيام سلطة مدنية قادرة على إعادة الإعمار، ودمج السودان في محيطه الإقليمي والدولي.

 

كذلك، يتطلب الحل إعادة مواءمة مصالح القوى الإقليمية الداعمة لطرفي الصراع ضمن إطار يضمن عدم الإقصاء، بحيث تتحول هذه القوى من مغذية للحرب إلى ضامنة للسلام. كما أن قيام سلطة مدنية يوفر للدول الإقليمية شريكًا مؤسسيًا للتعاون في مجالات الاستثمار والتجارة والأمن الحدودي، وينقل العلاقات من دعم الفاعلين المسلحين إلى بناء مصالح استراتيجية مع الدولة السودانية.

 

أما دوليًا، فإن إنهاء الحرب يقتضي توافقًا على أن استقرار السودان يمثل منفعةً استراتيجيةً مشتركة، بما يسمح بالانتقال من إدارة الصراع إلى إدارة السلام عبر توحيد المبادرات الدولية، وربط دعم إعادة الإعمار بقيام سلطة انتقالية مدنية ذات شرعية شعبية. فقد أثبتت التجربة أن الحكومات المدنية هي الأقدر على استعادة ثقة المجتمع الدولي، وحشد التمويل، وهو ما يجعل السلطة المدنية شرطًا أساسيًا لتحقيق السلام والتنمية والاستقرار.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...