إمام الحلو

نظام الإنقاذ البائد قوض أركان الدولة السودانية الحديثة... المتآكلة أصلًا، وجلس على ركامها قادة انقلاب (25) أكتوبر الذين أشعلوا حرب 15 أبريل 2023م  التي دمرت ما تبقى من مكونات الدولة وشتّت شمل الأسر وشردتهم من سكناهم إلى معسكرات النزوح واللجوء والمهاجر. ومهما يكن من أمر، فليس من المعقود -بعد انتهاء هذه الحرب- أن يعود السودان كما كان، من حيث البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وقد يكون ليس ثمة داع لذلك.

تماسك السودان وضمان وحدته

إن تعزيز وحدة السودان وتماسك مقومات دولته، يكمن في تكريس الاندماج الوطني كمدخل متقدم لميلاد جديد للسودان يستوفي مقومات بناء المستقبل الوطني المنشود. مولد جديد يتشكل بتوافق كل المكونات الثقافية والسياسية والاجتماعية على تشكيل:

·نظام سياسي جديد تحديثي، قائم على الأعمدة الثلاثة:

· الالتزام بمبادئ حقوق الإنسان وحرياته الأساسية الخمسة، (الكرامة، الحرية العدالة، المساواة، والأمن).

· وقواعد الديمقراطية التوافقية المستدامة الخمس، (الحكم للشعب، قرار الأكثرية التوافقي، التعددية، تقييد السلطة، التداول السلمي للسلطة(.

· ومعايير الحكم الراشد الأربعة، (الشفافية، المشاركة، المساءلة، وسيادة حكم القانون).

· ونظام اقتصادي تنموي عادل قائم على اقتصادات السوق الحر وكفالة العدالة الاجتماعية، يعمل على تسريع عملية التنمية الاقتصادية المتوازنة في عموم السودان، مع تفضيل أولوية المناطق المتضررة من تجاهل السياسات الاستعمارية والشمولية السابقة.

دور الأحزاب السياسية في معالجة الأزمة السودانية

ويقر هنتنغتون بوضوح كما ورد أعلاه، أنه في مواجهة تلك المشاكل المرتبطة بالتحديث واتساع المشاركة السياسية فإن "الوسيلة المؤسسية الرئيسة لتنظيم اتساع المشاركة السياسية هي "الأحزاب السياسية"، و"النظم الحزبية".

 ويؤكد على دور الأحزاب في المشاركة السياسية: "إن الحزب، والنظام الحزبي هما الوسائل المؤسسية لسد الفجوة بين الريف والمدينة والحزب الأمثل هو ذلك الحزب الذي يكون بمثابة "البوتقة" التي ينصهر فيها الفلاح مع ساكن المدينة.

ولعل هذا الدور المؤسسي لتنظيم اتساع المشاركة السياسية وسد الفجوة بين الريف والمدينة، يقع على عاتق الأحزاب الوطنية وعلى رأسها حزب الأمة القومي، الذي هو تمثيل فعلي لمكونات السودان المجتمعية والثقافية والجهوية. وهو في جوهر بنائه دعوة للتحرر والانعتاق من كل أشكال الاحتلال الأجنبي والداخلي. وتمثل توجهاته الفكرية والسياسية الوسطية تعبيرًا عن الأصالة الوطنية السودانية، وتفردًا من بين المستورد من الأفكار والمناهج الوافدة وغير الموطّنة التي تعم الساحة السودانية.

وحزب الأمة القومي يمتلك مقومات ذاتية فريدة من تواجد جماهيري على مساحة الخريطة الجغرافية والثقافية والسياسية، والأهم من ذلك البعد الفكري التحديثي والبناء المؤسسي اللامركزي الفدرالي. فإذا استطاع الحزب أن يستجلي ويوظف هذه المقومات الفريدة، في صياغة واقع جديد مستجيب لتطلعات وآمال الشعب السوداني في الحرية والسلام والعدالة، فإنه بذلك يكون قد أدى دوره في معالجة أزمات التحديث وأزمات النزاع، وأنجز مشروع بناء المستقبل الوطني المنشود.

إن مستقبل السودان بعد حرب أبريل الكارثية، يعتمد على كيفية وقف وانتهاء هذه الحرب، والقوى المؤثرة التي تقف خلف هذا الإنجاز. ومن يستطيع من القوى السياسية، قراءة الخريطة الجيوسياسية والتقاطعات الاستراتيجية في المنطقة، يمكنه من تحديد الدور الذي يلعبه في تشكيل المولد الجديد للسودان.

ولا شك أن تعقيدات الأزمة السودانية تجعل محاولة معالجاتها عبر التحديث السياسي وتطوير الثقافة السياسية للمجتمع، أمرًا فيه إشكالات وتحديات عديدة، وتحتاج إلى وقت ليس بالقصير، إلا أنها ممكنة وليست مستحيلة. خاصة إذا اعتبرنا أن التحديث لا يعني القطيعة المعرفية والمسلكية للتقاليد والموروثات الشعبية المتنوعة.

لقد تبين أن بناء دولة وطنية حديثة يعتمد على مؤسسات سياسية قوية وقادرة، وعلى رأس هذه المؤسسات الأحزاب السياسية الوطنية -غير الوهمية-. واستقرار الدولة الوطنية يعتمد على نظام سياسي مقبول لدى الشعب وقائم على الأعمدة الثلاثة المذكورة آنفًا. وعلى ذلك، فإن مدخل تحقيق الاندماج الوطني يبدأ بترسية نظام سياسي ديمقراطي مدني، تحكمه مؤسسات قوية وثابتة للدولة، ومؤسسات سياسية قادرة وفاعلة ضمن النظام الحزبي الرشيد.

ومؤسسات الدولة والأحزاب السياسية عليها أن تمتلك أدوات التحديث المعاصرة من منتوجات التكنولوجيا والتقنيات الحديثة ومواكبة المعارف الإنسانية الراهنة. وإدماج الشباب والنساء في عملية التحديث والمشاركة السياسية الواسعة، وبناء استراتيجية وطنية شاملة مرتكزة على جودة وشمول التعليم بمختلف مراحله، وربطه باحتياجات البلاد التنموية الفعلية.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...