إمام الحلو
نظام الإنقاذ البائد قوض أركان الدولة السودانية الحديثة... المتآكلة أصلًا، وجلس على ركامها قادة انقلاب (25 أكتوبر)، الذين أشعلوا حرب (15 أبريل 2023م)، التي دمرت ما تبقى من مكونات الدولة وشتّت شمل الأسر وشردتهم من سكناهم إلى معسكرات النزوح واللجوء والمهاجر. ومهما يكن من أمر، فليس من المعقود -بعد انتهاء هذه الحرب- أن يعود السودان كما كان، من حيث البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وقد يكون ليس ثمة داع لذلك.
الاندماج الوطني
الاندماج الوطني هو أهم مداخل التحديث ومعالجة جذور أزمات السودان، وهو عملية صهر مختلف الجماعات والمكونات الاجتماعية والثقافية في هوية وطنية جامعة أساسها المواطنة المتساوية. ويهدف هذا المفهوم إلى تخطي الولاءات العصبية الضيقة (القبلية، الطائفية، أو العرقية)، وجعل الولاء الأسمى للوطن ودولته الوطنية.
وتتجلى أهمية الاندماج الوطني في معالجة جذور الأزمة السودانية، عبر عدة ركائز أساسية:
ترسيخ مبدأ المواطنة: ضمان تمتع الأفراد كافة بحقوقهم وحرياتهم الأساسية في ظل سيادة حكم القانون بغض النظر عن انتماءاتهم الأولية.
التكامل الاجتماعي: الانتقال من مجتمع منقسم إلى مجتمع منسجم ومتضامن تتفاعل فيه الفئات المختلفة وتتقبل التنوع كعنصر قوة لا تفرقة.
توسيع قاعدة المشاركة: دمج جميع أطياف المجتمع في الحياة السياسية والعامة، مما يتيح لهم المساهمة الفعالة في صنع القرار.
الاستقرار السياسي: يُعد الاندماج الوطني شرطًا أساسيًا لنجاح بناء الدولة الحديثة؛ لأنه يقي الدولة من النزاعات والصراعات الأهلية التي قد تنشأ نتيجة غياب العدالة والمساواة.
ويختصر د. هشام حداد الجزائري، خبير العلاقات الدولية والتخطيط الاستراتيجي الدولي، تعريف الاندماج الوطني "العملية التي يتم من خلالها إحلال الولاء الوطني محل الولاءات الفرعية الأخرى داخل الوطن".
ولتحقيق عملية الاندماج الوطني، ينبغي العمل على بناء ثقافة سياسية وطنية تشاركية، تعمل على تحقيق تنشئة اجتماعية- سياسية إيجابية، وتدفع نحو استنهاض الشعور الوطني للمجتمع لتكوين ولاء واحد للدولة فحسب، بدلًا من تعدد الولاءات والانتماءات الفرعية.
ومن ثم تكوين الوحدة الوطنية حول الكيان السياسي (السلطة) والكيان الجغرافي (الوطن). ويتطلب تحقيق هذه الوحدة الوطنية أن يكون النظام السياسي الجديد محققًا لشرعيته من ناحية، ومستوعبًا للمجتمع في مؤسسات الدولة من ناحية ثانية، وتحظى سياساته بالرضاء والقبول في المجتمع من ناحية ثالثة.
ولترسيخ مفهوم المواطنة، ينبغي العمل على تعظيم إحساس المواطن بها سلوكًا وممارسة ضمن الإطار القانوني الذي يحكم الفرد والمجتمع. فالفرد السوداني على مدى عمر الدولة الكولونيالية والنظم الدكتاتورية الشمولية، لم يكن يستشعر هذا الإحساس بوصفه فردًا مواطنًا في الدولة بقدر ما كان يستشعر ذاته بوصفه فردًا تابعًا للنظام.
وينوه المفكر الأمريكي صامويل هنتنغتون في إطار الجانب المؤسسي من التحديث، بأن ما يتضمنه التحديث مـن "تعبئة اجتماعية" و"مشاركة سياسية"، قد يؤدي إلى تحلل النظام السياسي، وانعدام الاستقرار وانتشار العنف والفساد، ما لم تتم هذه التعبئة عبر مؤسسات سياسية قوية وفعّالة. والأحزاب السياسية تقع على رأس تلك المؤسسات وأكثرها أهمية، بل أن وجودها في المجتمعات النامية، إحدى ضرورات التحديث.
ولا شك أن جذور الأزمة السودانية الحالية، قد لا تقتصر فقط على هذه الأزمات الست، لكن من المهم التعرض لهذه الأزمات ومباشرة مواجهتها. ومن المهم أيضًا استيعاب أن مظاهر التحلل السياسي الناتجة من هشاشة المؤسسات السياسية، وضعف الممارسة المؤسسية، وغياب مفهومها في الثقافة السياسية السودانية، هي نتاج أزمات التحديث الثلاث: الاندماج الوطني، والشرعية، والمشاركة؛ وهذه الأزمات تتجلى في أوضح صورها في نزاعات الهوية ونزاعات الموارد، إضافة إلى نزاعات الحدود وأزمة التغلغل.




التعليقات (0)
جاري التحميل...