إمام الحلو

 

نظام الإنقاذ البائد قوض أركان الدولة السودانية الحديثة... المتآكلة أصلًا، وجلس على ركامها قادة انقلاب (25 أكتوبر)، الذين أشعلوا حرب (15 أبريل 2023م)، التي دمرت ما تبقى من مكونات الدولة وشتّت شمل الأسر وشردتهم من سكناهم إلى معسكرات النزوح واللجوء والمهاجر. ومهما يكن من أمر، فليس من المعقود -بعد انتهاء هذه الحرب- أن يعود السودان كما كان، من حيث البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وقد يكون ليس ثمة داع لذلك.

لقد أمسى الناس يتساءلون عن المصير المجهول، وإلى متى ستستمر هذه الحرب، وكيف يتم إنهاؤها... وما أفضل المسالك لمولد جديد... وما هي المبادئ التي تحكم بناء دولة جديدة يبنيها السودانيون بمعرفتهم وتوافقهم، بديلًا لدولة ورثت من مستعمر ولم يشاركوا في بنائها.

وتعددت التساؤلات وتعددت المحاولات على الإجابة عليها. وشهدت الساحة طرح رؤى ومشاريع تخاطب المستقبل الوطني، أهمها المنطلقة من مسار التحول المدني الديمقراطي. وبالرغم من أن أولوية الهم الوطني الآن حول وقف الحرب ومعالجة تداعياتها، لكنه من المهم أيضًا البحث عن أسباب الفشل في إدارة الدولة والعمل على ضمان عدم تكراره وتجنب الوقوع في نفس الأخطاء التي أدت لهذا الفشل. وهذا ممكن بتناول القضايا الملحة الضاغطة والقضايا المهمة في مدى زمني واحد، مما يحقق الفاعلية المطلوبة لإحداث اختراق داخلي في معالجة الأزمة السودانية المستفحلة بشقيها الحاضر والمستقبلي.

جذور الأزمة

ولعل من أكثر مجالات الاتفاق حول كيفية معالجة الفشل في إدارة الدولة، هو بدايةً، استدعاء مخاطبة الأزمة السودانية التي أوصلت البلاد لهذا الوضع المنهار. وهو ما عرف بمصطلح "جذور الأزمة". فما هي جذور الأزمة السودانية؟ وما هي الخيارات المتاحة لمعالجاتها؟ وما هي أفضل السبل لهذه الخيارات لبناء الوطن من جديد؟ وقد يساعد في التوصل لمعرفة جذور الأزمة ومعالجاتها استخدام منهجية "تحليل الأسباب الجذرية" وتقنياتها، لمعرفة أسباب المشكلات الرئيسة، بدلًا من الاكتفاء بمعالجة أعراضها الظاهرية.

ووفق تلك المنهجية، فإن عددًا من دارسي العلوم السياسية، يشيرون إلى أن الدول النامية حديثة الاستقلال تعاني من أزمات رئيسة ناتجة من محاولات التحديث والتنمية السياسية، ومحاولات تبني نمط إدارة الدولة القومية (دولة- أمة) التي تركها المستعمر الغربي بعد رحيله. إلا أنه سرعان ما تتكشف مخاطر كانت كامنة داخل تلك الدولة الكولونيالية. والتي أدت إلى تآكل بنية الدولة لتتحول إلى دولة هشة ثم دولة فاشلة في النهاية.

ويواجه السودان كمعظم دول العالم الثالث أزمات التنمية السياسية بشكل متكرر بل ويكاد يكون بشكل مستمر، كما أنه يواجه هذه الأزمات دفعة واحدة، خلافًا لعملية التحديث التي شهدتها دول العالم الغربي خلال القرنين السابع والثامن عشر، التي واجهت أزماتها على فترات مختلفة.

و"بتحليل الأسباب الجذرية" للأزمة السودانية، يتبين أن هناك عددًا من الأزمات التي حاقت بالسودان، منذ بداية تكوين الدولة الاستعمارية في مطلع القرن العشرين، واستمرت بعد الاستقلال وبداية الحكم الوطني، وتكشفت بضراوة خلال عهود الأنظمة الانقلابية العسكرية والشمولية. ويمكن تصنيف هذه الأزمات إلى نوعين متداخلين من الأزمات الرئيسة التي أوصلت البلاد إلى هذه الحالة من التردي والفشل. وهي ثلاث أزمات ناتجة من محاولات التحديث والتنمية السياسية، وثلاث أزمات ناتجة من الصراع حول السلطة والثروة.

أزمات التحديث الثلاث:

وهي ما عرف بالأزمات الناتجة من عملية التحديث السياسي في الدول النامية حديثة العهد بالدولة القومية "الدولة- الأمة" "الوستفالية" -نسبة لمعاهدة صلح ويستفاليا 1648. التي شملت بنية الدولة السودانية الحديثة. وتتمثل أزمات التحديث في:

1.    أزمة الاندماج الوطني، (ضعف الانتماء الوطني الموحد)، وهي تغليب الولاءات الفرعية (كالقبيلة، الطائفة، أو العرق) على الولاء للوطن.

2.    أزمة الشرعية: عدم قبول الشعب للنظام الحاكم، خاصة الانقلابي. وتنشأ نتيجة عدم اعتراف قطاعات واسعة من الشعب بأحقية النظام السياسي في الحكم، وغالبًا ما ينتج ذلك عن غياب الديمقراطية أو الفشل في تلبية الاحتياجات الأساسية.

3.    أزمة المشاركة السياسية: (غياب الديمقراطية وحرية التعبير)، تتمثل في عجز أو رفض الأنظمة الشمولية الانقلابية دمج المواطنين في العملية السياسية وصنع القرار.

أزمات النزاع الثلاث:

وهي ما عرف بالأزمات الناتجة عن الصراع على السلطة والثروة. والتي تبلورت عند ممارسة السلطة السياسية في الدولة السودانية الحديثة الكولونيالية وأهمها:

1.    نزاع الهوية: وتنشأ نتيجة عدم حسن إدارة التعددية القبلية أو العرقية أو الدينية، مما يعيق بناء هوية وطنية جامعة يحس فيها المواطن بأنه جزء من نسيج واحد.

2.    نزاع الموارد: (سوء إدارة الثروات) وتظهر في غياب المؤسسات القادرة على توزيع الموارد الاقتصادية بعدالة، مما يؤدي إلى ضمور "العدالة الاجتماعية" واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء وتركز الثروة في أيدي قلة من المحسوبين والفاسدين.

3.    نزاع الحدود: بسبب أزمة التغلغل (عجز الدولة عن فرض سيطرتها وإيصال خدماتها للمناطق كافة). وتتمثل في عجز الحكومة المركزية عن بسط نفوذها القانوني والأمني على كامل أراضيها، وضعف قدرتها على إيصال الخدمات الأساسية للمواطنين في المناطق النائية.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...