مهدي داود الخليفة

 

في حلبجة مات الآلاف اختناقًا تحت سحابة من السموم، وفي سوريا عاد السلاح الكيميائي ليكسر واحدًا من أكثر المحظورات رسوخًا في تاريخ الحروب الحديثة. واليوم يواجه السودان أدلة جديدة وخطيرة تتحدث عن تطوير وتخزين واستخدام أسلحة كيميائية خلال الحرب المستمرة منذ أبريل 2023. وهنا يبرز السؤال الأكثر إزعاجًا: هل اقتربت الحرب السودانية من عبور آخر الخطوط الحمراء؟.

إن خطورة هذه المعلومات لا تكمن فقط في طبيعة السلاح، وإنما في أنها تأتي بعد أن أعلنت الولايات المتحدة، في مايو 2025، أنها خلصت إلى أن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية خلال عام 2024، وفرضت على السودان عقوبات مرتبطة بذلك. وقد نفت الحكومة والجيش السودانيان هذه الاتهامات.

ثم جاء تحقيق واشنطن بوست المنشور في 5 سبتمبر 2026 ليقدم، استنادًا إلى وثائق ومقاطع فيديو ورسائل، معلومات أكثر تفصيلًا عن برنامج مزعوم للأسلحة الكيميائية، بما في ذلك ذخائر تحتوي على غازات خانقة، واختبارات لأسلحة تنتج أبخرة صفراء مخضرة، ورسائل تتحدث عن تخزين مئات الذخائر الكيميائية. وقال خبراء ومسؤولون سابقون في مجال الأسلحة الكيميائية للصحيفة، إن المواد تمثل أدلة ذات مصداقية على وجود برنامج كيميائي، مع التأكيد أن الحسم النهائي يتطلب الوصول إلى المواقع والشهود والأدلة المادية.

الأكثر حساسية أن الوثائق، وفق التحقيق، تتضمن اتصالات بين شخصيات عسكرية سودانية واسم القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول عبد الفتاح البرهان. كما تشير مواد أخرى إلى أن البرهان وقّع في يوليو 2025 وثيقة تتعلق بلجنة للتحقيق في الاتهامات باستخدام الأسلحة الكيميائية.

لكن هنا يجب أن نكون دقيقين: ورود اسم البرهان في الوثائق لا يثبت وحده أنه أمر باستخدام السلاح الكيميائي أو كان يعلم بكل تفاصيل البرنامج. وحتى التحليل الجنائي الصوتي الذي أجرته واشنطن بوست لم يستطع الجزم بأن الصوت المنسوب إليه هو صوته، وإن لم يجد الخبراء مؤشرات على التلاعب بالملفات.

وهذا تحديدًا هو سبب ضرورة التحقيق، لا سبب تجاهله.

السودان طرف في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية منذ عام 1999، والاتفاقية تحظر تطوير هذه الأسلحة وإنتاجها وحيازتها وتخزينها واستخدامها. كما أن حظر الأسلحة الكيميائية أصبح قاعدة راسخة في القانون الدولي الإنساني.

لذلك فإن استخدام السلاح الكيميائي، إذا ثبت، ليس مجرد مخالفة عسكرية أو سياسية، بل يمكن أن يشكل جريمة حرب، وقد يرتقي إلى جريمة ضد الإنسانية إذا ثبت أنه كان جزءًا من هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد السكان المدنيين.

والسلاح الكيميائي يختلف عن كثير من أسلحة الحرب في طبيعة الخطر الذي يمثله. فهو لا يميز بين مقاتل ومدني، ولا بين طفل وامرأة وجندي وطبيب. إنه يطلق الموت في الهواء، ويمكن أن يستمر أثره في البيئة والمياه والأماكن السكنية.

ولهذا لم يكن حظر الأسلحة الكيميائية مجرد اتفاق سياسي، بل تعبيرًا عن تطور أخلاقي وقانوني للبشرية: هناك أسلحة لا يجوز استخدامها حتى في الحرب.

إذا ثبت استخدام السلاح الكيميائي، فلا ينبغي أن ينتهي التحقيق عند الجندي الذي نفذ الهجوم.

يجب البحث في سلسلة القيادة:

من أصدر الأمر؟

من وافق عليه؟

من كان يعلم؟

من كان يمتلك القدرة على إيقافه؟

ومن حاول إخفاء الأدلة بعد وقوعه؟

هذه الأسئلة هي التي تحدد المسؤولية الجنائية للقيادات.

والتجربة السورية تقدم سابقة مهمة. فقد أصدرت فرنسا مذكرة توقيف بحق الرئيس السوري السابق بشار الأسد على خلفية اتهامات مرتبطة بهجمات كيميائية، وأكد القضاء الفرنسي أن الجرائم الدولية الخطيرة لا يمكن الاحتماء بشأنها بالصفة الرسمية لرئيس الدولة.

 

وهذه سابقة ينبغي ألا تمر دون درس في السودان: الرتبة العسكرية أو المنصب السياسي لا ينبغي أن يتحولا إلى حصانة من المحاسبة إذا ثبتت المسؤولية عن جرائم دولية.

المطلوب الآن ليس حربًا إعلامية جديدة بين الجيش والدعم السريع، ولا استخدام قضية السلاح الكيميائي لتصفية الحسابات السياسية.

المطلوب هو تحقيق دولي مستقل وشفاف تشارك فيه منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والأمم المتحدة، مع الوصول إلى مواقع الهجمات المزعومة، وفحص العينات والذخائر، وتحليل الوثائق والاتصالات، والاستماع إلى الشهود والضحايا، وتحديد المسؤولية في كل مستويات القيادة.

والأهم ألا تكون هناك ازدواجية في المعايير.

إذا استخدم الجيش السلاح الكيميائي فهو جريمة. وإذا استخدمه الدعم السريع فهي جريمة. وإذا استخدمه أي طرف آخر فهي جريمة.

الجريمة لا تصبح حلالًا لأن مرتكبها حليف، ولا تصبح أكثر حرمة لأن مرتكبها خصم.

لقد دفع السودانيون ثمنًا رهيبًا لهذه الحرب: قتلًا ونزوحًا وجوعًا ودمارًا. وليس من المقبول أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها استخدام السلاح الكيميائي جزءًا من أدوات الصراع.

 

فإذا ثبتت هذه الاتهامات، فإن السودان لن يكون أمام جريمة جديدة فحسب، وإنما أمام اختبار أخلاقي وقانوني للمجتمع الدولي بأكمله.

والرسالة التي يجب أن تكون واضحة اليوم:

لا للسلاح الكيميائي في السودان. لا للإفلات من العقاب. ولا لحماية أي مسؤول تثبت مسؤوليته، أيًّا كان منصبه أو رتبته.

فالسلام الذي نريده للسودان ليس مجرد توقف إطلاق النار.

إنه سلام يعيد للإنسان السوداني حقه في الحياة والكرامة، ويعيد للقانون قدرته على حماية من لا يملك سلاحًا للدفاع عن نفسه.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...