محمد الأمين عبد النبي

في مقالي السابق "القرن الإفريقي الكبير ورهانات الاستقرار" توقفتُ عند تشابك الصراعات الداخلية مع التنافس على النفوذ والموانئ والممرات البحرية. واليوم تدفعنا التحولات في الشرق الأوسط إلى سؤال أبعد هل ما نشهده مجرد تصعيد عسكري وتنافس على النفوذ أم أنه عملية إعادة تشكيل للإقليم تتجاوز نتائجها أطراف الصراع الراهن، لتمس طبيعة النظام الإقليمي؟

إن تواتر الهجمات الحوثية على المملكة العربية السعودية إذا قُرئ في سياقه الإقليمي الأوسع يكشف أن أمن الخليج والبحر الأحمر لم يعد ملف منفصل عن صراعات المنطقة وتوازناتها. فآثار هذه الهجمات تمتد إلى حسابات الردع والتحالفات وحدود النفوذ الإيراني وأولويات الولايات المتحدة وإسرائيل. ومع ذلك فإن قراءة هذه التطورات تستلزم التمييز بين من يملك قدرة التأثير في مسارات الصراع ومن يستثمر نتائجه.

يشهد الشرق الأوسط صراعاً على تحديد القواعد التي ستنظم بها القوة في المرحلة المقبلة. فالحروب الكبرى كما يقول جون لويس غاديس تفتح الباب أمام نظام جديد. ومن ثم يصبح السؤال الحاسم من سيحدد شكل الإقليم وأي مصالح ستصبح أساس للأمن والاستقرار فيه؟

ومنذ أن طرح شمعون بيريز في كتابه الصادر عام 1993 رؤيته لشرق أوسط يقوم على الترابط الاقتصادي والتكنولوجي، ظل مفهوم "الشرق الأوسط الجديد" يتأرجح بين وعود التكامل ومشروعات إعادة هندسة القوة، ومع التحولات التي أنتجتها حروب المنطقة وتدخلاتها ثم موجات التطبيع وإعادة بناء التحالفات أصبح المفهوم ساحة للتنافس بين رؤى متعارضة لمستقبل الإقليم.

لا توجد قوة واحدة تتحكم في تفاصيل هذا المشهد. فإسرائيل تسعى إلى تثبيت تفوقها الأمني وتوسيع علاقاتها الإقليمية، والولايات المتحدة تعمل على حماية مصالحها وإعادة توزيع أعباء حضورها، وإيران توظف شبكة حلفائها لتعزيز الردع والنفوذ. أما تركيا كقوة صاعدة تتحرك وفق حساباتها الاستراتيجية والاقتصادية. فالمنطقة أصبحت ميداناً لتنافس مشروعات تتقاطع أحياناً وتتعارض أحياناً أخرى وتتغير تحالفاتها تبعاً لحسابات القوة والمصلحة.

المشكلة الأعمق أن الدول العربية تواجه هذا التحول من موقع انقسامات وأزمات وتراجع العمل المشترك واعتماد متفاوت على الضمانات الخارجية. وهنا تكمن المفارقة؛ فالدول العربية تقع في قلب الجغرافيا التي يعاد تشكيلها لكنها لا تملك مشروعاً جماعياً يحدد ما تريده من هذا التشكيل. وبهذا يصبح خطر إعادة رسم المنطقة أكبر من مجرد خسارة نفوذ هنا أو هناك؛ إنه احتمال أن تتحول الدول العربية إلى أطراف في نظام تُصاغ قواعده خارج إرادتها وأن تدار أزماتها كأوراق تفاوض في صراعات الآخرين.

في المقابل لا يمكن بناء نظام إقليمي مستقر على التفوق العسكري ولا على تحالفات تتجاوز جذور الصراع. فالنموذج الذي يراكم النفوذ بالحروب وسياسات المحاور يعيد إنتاج بيئة التطرف وعدم الاستقرار، فيما يظل نموذج التنمية والتكامل والأمن المشترك مشروطاً باحترام سيادة الدول وتسوية النزاعات.

وعليه، فإن المخرج يبدأ من بناء إرادة عربية مستقلة تطور آليات العمل المشترك وتؤسس لتصور إقليمي للأمن الجماعي والتكامل الاقتصادي وحسن الجوار ويتطلب ذلك أيضا ربط الاستقرار بالعدالة والتنمية فقد فشلت صيغة الاستقواء بالخارج.

إن المعركة الحقيقية حول "الشرق الأوسط الجديد" على خريطة النفوذ وحق شعوب المنطقة في تقرير مستقبلها. فإما أن تدخل الدول العربية هذه المرحلة بمشروع يوازن بين السيادة والتعاون والعدالة فتكون شريكاً في صياغة النظام الإقليمي وإما أن تظل ساحة لإعادة توزيع النفوذ تتحمل شعوبها كلفة صراعات لم تشارك في تحديد قواعدها ولا غاياتها.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...