طاهر المعتصم
من أبلغ ما قاله المتنبي في توصيف الإخفاق، البيت الذي قال فيه: (ولم أرَ في عيوبِ الناسِ شيئًا... كنقصِ القادرينَ على التمامِ). فهو لا يتحدث عن غياب القدرة، وإنما عن الفشل في إكمال ما بدأ، أو التردد في إنفاذ ما تم اتخاذه من قرارات. وهذا، للأسف، هو الوصف الأقرب لما يجري اليوم في السودان.
فالسلطة لا ينقصها إصدار القرارات، لكنها تعجز عن تحويلها إلى واقع. وآخر تلك القرارات ما صدر عن مجلس الأمن والدفاع بتشديد الرقابة على حركة المركبات القتالية داخل المدن والأسواق، ووضع ضوابط لأنشطة الخلايا الأمنية، بعد أن سبق ذلك عشرات التوجيهات بإخلاء العاصمة من أي تشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية وحصر السلاح في يد الدولة. غير أن المواطن لا يرى في الشارع سوى المشهد نفسه؛ عربات قتالية تجوب الأحياء، ومسلحون ينتشرون في الأسواق، وسلاح حاضر في تفاصيل الحياة اليومية، بينما تغيب هيبة الدولة التي يفترض أن تحمي الجميع.
ولا يكاد يمر أسبوع دون حادثة تؤكد أن المشكلة لم تعد أمنية فحسب، بل أصبحت تمس فكرة الدولة نفسها. أسلحة ثقيلة تُطلق في مناسبات الزواج، واعتداءات على أفراد الشرطة أثناء أداء واجبهم، ومتفلتون يواجهون أجهزة إنفاذ القانون، وعصابات مخدرات تتصرف بجرأة غير معهودة. وكل ذلك يحدث في مناطق يفترض أنها خاضعة لسيطرة الجيش الكاملة.
قال ألبرت أينشتاين، إن الجنون هو أن تكرر الفعل نفسه وتتوقع نتائج مختلفة. ولعل أخطر ما يمكن أن نفعله بعد هذه الحرب هو أن نكرر الأخطاء ذاتها، ثم ننتظر نهاية مغايرة. فالتاريخ القريب لا يزال حاضرًا في الأذهان. فقد بدأ الدعم السريع قوةً مساندة للجيش، ثم انتهى إلى قوة موازية خاضت حربًا كادت تعصف بوجود الدولة نفسها. فهل نتعلم من التجربة، أم نعيد إنتاجها بأسماء جديدة وشعارات مختلفة؟
إن الدولة الحديثة لا تقوم على تعدد مراكز القوة، ولا على موازين السلاح، وإنما على احتكار القوة المشروعة عبر جيش وطني واحد، وشرطة محترفة، وأجهزة نظامية تعمل وفق القانون، وسلام مستدام. وما عدا ذلك ليس سوى وصفة مؤجلة لفوضى جديدة، مهما حسنت النوايا أو تبدلت المبررات.
لقد خسر السودان وطنًا يوم ظنَّ أن تعدد البنادق يصنع القوة، ودفع شعبه ثمن ذلك حربًا ودمارًا ونزوحًا وتمزقًا غير مسبوق. فلا تجعلوا ما تبقى من الوطن يدفع ثمن الوهم نفسه مرةً أخرى. فالأنظمة التي لا تتعلّم من أخطائها محكوم عليها بإعادة إنتاج مآسيها، والسودان لم يعد يحتمل خطأً آخر بهذا الحجم.




التعليقات (0)
جاري التحميل...