طاهر المعتصم

لم يكن حديث الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في لقائه الأخير مع عدد من الإعلاميين، مجرَّد استدعاء للتاريخ. حين قال إن الرئيس المعزول عمر البشير هو الذي أسس الدعم السريع، وإن قيادة القوات المسلحة ذهبت إليه أربع مرات تطالبه بحلِّ القوة لكنه رفض، فإن الرجل، من حيث أراد أو لم يرد، أعاد فتح أخطر ملفات الحرب من بابها الصحيح: مَنْ صنع المشكلة، ومَنْ سمح لها بأن تكبر، ومَنْ يتحمل مسؤولية نتائجها؟

البشير لم يرث الدعم السريع من السماء. نظامه أنشأه، ثم منحه الغطاء القانوني والسياسي، وأقر البرلمان -الذي كان يسيطر عليه المؤتمر الوطني- قانونًا ينظم وضعه، وسط اعتراض نائبة واحدة، قبل أن تتحوَّل القوة مع مرور الوقت إلى لاعب عسكري وسياسي واقتصادي يصعب على الدولة نفسها ضبطه.

لكن المفارقة الأكثر قسوة، أن الدولة التي تحاكم مواطنين بتهم التعاون مع الدعم السريع، والتي وصلت في بعض القضايا إلى أحكام بالإعدام، لم تفتح بالقدر نفسه سؤال المسؤولية السياسية والتاريخية عمن أنشأ هذه القوة ومكّنها.

كيف يستقيم أن يُسأل مواطن عن علاقته بقوة مسلحة، بينما لا يُسأل صانع القوة نفسها؟

إنها ليست دعوة لإعفاء أحد من المحاسبة، بل العكس تمامًا: العدالة التي لا تصعد إلى أعلى السلم تتحول إلى انتقائية.

والأكثر إثارة للقلق أن التجربة، بدلًا من أن تكون درسًا، تبدو وكأنها تتحول إلى وصفة قابلة للتكرار.

فما إن أعلن البرهان موقفه الأخير حتى ظهرت حركة مسلحة جديدة تعلن دعمها للجيش. وبذلك تضاف قوة أخرى إلى عشرات الحركات والتشكيلات المسلحة التي تقاتل إلى جانب الجيش، من دون أن نعرف، بصورة واضحة، أين تنتهي المؤسسة العسكرية وأين تبدأ التشكيلات المتحالفة معها.

هنا تحديدًا يجب أن نتوقف.

إذا كان البشير قد أنشأ قوة مسلحة واحدة، ثم عجزت الدولة لاحقًا عن احتوائها، فانتهت إلى حرب أحرقت البلاد وشردت الملايين ودمرت مؤسساتها وبنيتها التحتية وفتحت الباب أمام سلطات ومؤسسات موازية، فما الذي يجعلنا نعتقد أن إنتاج عشرات القوى المسلحة الجديدة سيقود إلى نتيجة مختلفة؟

هل لدى الجيش اليوم مصفوفة معلنة للدمج والتسريح ونزع السلاح؟ هل هناك سقف زمني محدد؟ هل سيصبح أفراد هذه التشكيلات جنودًا في مؤسسة واحدة وفق معايير مهنية، أم ستظل الحركات محتفظة بهياكلها وقياداتها وسلاحها؟

السودان لا يحتمل "دعمًا سريعًا" جديدًا، أيًّا كان اسمه أو شعاره.

المشكلة ليست في أن تقاتل هذه القوى إلى جانب الجيش اليوم؛ المشكلة في ماذا ستفعل غدًا عندما تنتهي الحرب؟

لقد جرَّب السودان من قبل فكرة القوة المسلحة التي تنشأ تحت مظلة الدولة ثم تصبح عبئًا عليها. والذين يعيدون إنتاج الأدوات نفسها لا يملكون حقَّ الشكوى إذا جاءت النتائج نفسها.

فهل نتعلَّم من المتهم الأول، أم نعيد إنتاج تجربته وننتظر كارثة ثالثة؟.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...