دكتورة فرناز عطية
متخصصة في الشؤون السياسية والإقليمية
بعد ما يزيد عن ثلاث سنوات، تتعالى أصوات جراح النساء السودانيات وآلامهنَّ على أصوات أسلحة الحرب الأهلية التي أنهكت النساء، منذ عام 2023م، بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وشرّدت أسرهنَّ، وقتلت أزواجهنَّ، وآباءهنَّ وإخوانهنَّ وأخواتهنَّ، وشوهتهنَّ داخليًا وخارجيًا، بل وقتلتهنَّ نفسيًا قبل أن تمتد البنادق والمسيرات لتفتك بأجسادهنَّ التي تحمل الأمل في العيش والحياة. وقد تمثلت معاناة المرأة السودانية التي تستمر حتى وقتنا هذا فيما يلي:
1- النزوح واللجوء والتهجير القسري.
2- العنف الجنسي كسلاح في الحرب.
3- العنف الاقتصادي.
4- الحرمان من الحق في التعليم.
5- الأوضاع الصحية المتردية.
وفي هذا الجزء الأول، سنناقش جانبين من جوانب معاناة المرأة السودانية، ونستكمل الجوانب الثلاثة الأخرى في الجزء الثاني:
1- النزوح واللجوء والتهجير القسري:
أدت ظروف الحرب إلى افتقاد عدد كبير من النساء (25–49 عامًا) بنسبة 76% للأمان، طبقًا لدراسة أجراها صندوق الأمم المتحدة للسكان بمشاركة نحو ألف امرأة وفتاة سودانية في 16 ولاية من أصل 18 ولاية، وتشير التقارير الأممية، إلى أن النساء والفتيات يشكلنَّ نحو نصف إجمالي النازحين في السودان البالغ عددهم14 مليون شخص، مما يعني وجود قرابة7 ملايين نازحة ولاجئة سودانية، هذا النزوح يشمل النساء داخليًا، بالإضافة إلى ملايين اللاجئات اللائي وصلنَّ إلى دول الجوار مثل مصر وتشاد. وتواجه السودانيات ألوانًا من صعوبات الحياة سواءً كنازحات؛ حيث تم تهجيرهنَّ من مدنهنَّ وقراهنَّ بشكل قسري، أو فررنَّ من الحرب والعمليات المسلحة، وهناك سيدات من ولايات: كالخرطوم والنيل الأبيض والنيل الأزرق والولايات الشمالية، عشنَّ تحت وطأة القصف والنزاع المسلح لأشهر عديدة، تعرض العديد منهنَّ للنزوح عدة مرات، وصل بعضها إلى أربع مرات خلال ثلاث سنوات من الحرب، هذا إلى جانب سوء التغذية، والعيش في خيام الإيواء في ظروف معيشية غير آدمية، وكذلك قلة المياه الصالحة للشرب، وعدم توافر الرعاية الصحية اللازمة، لاسيما للأطفال، والحوامل، والمسنات، وانتشار الأمراض.
وفيما يتعلَّق باللاجئات يواجهنَّ صعوبات متنوعة في دول اللجوء، فبعضهنَّ يمتهن بعض الحرف والأعمال المنزلية لإعالة أنفسهنَّ وأولادهنَّ في غياب الأزواج، سواءً غيَّبتهم ظروف الحرب أو الفشل في اللجوء، فالمرأة السودانية المعيلة تقوم بكلِّ الأدوار في دول اللجوء، إلى جانب استكمال بعضهنَّ لتعليمهنَّ، ورعاية أطفالهنَّ وتعليمهم، والعمل لسد احتياجات أسرهنَّ، لاسيما مع ارتفاع الأسعار في الدول المضيفة، واختلاف أساليب المعيشة ونمط الحياة.
2- العنف الجنسي كسلاح في الحرب:
استخدم العنف الجسدي على نطاق واسع ضد النساء والفتيات السودانيات كسلاح ممنهج للحرب، في عدة مناطق كـ: الجزيرة وكسلا والقضارف وسنار، وولايتي شمال وجنوب كردفان، وولايات شمال وغرب وجنوب دارفور. وتظل المعلومات المتعلّقة بالعنف الجنسي محدودة نظرًا لعدة عوامل، هي:
- محدودية وصول مراقبي الأمم المتحدة إلى مناطق النزاع.
- عدم الإبلاغ عن حالات العنف القائم على النوع الاجتماعي؛ بسبب وصمة العار والخوف من الانتقام.
- القيود المالية وبُعد مراكز الخدمات.
ويأخذ العنف الجنسي أشكالًا مختلفة من الانتهاكات تتمثَّل في:
- اختطاف النساء والفتيات بغرض الاستعباد الجنسي والزواج القسري.
- الاغتصاب الفردي والجماعي، الذي غالبًا ما يكون مصحوبًا بوحشية شديدة وإصابات جسدية.
- إكراه النساء والفتيات على الحمل قسرًا، وذلك كجزء من البعد العرقي للنزاع.
- استهداف الرجال والفتيان بالاغتصاب وهتك العرض... وغيره من أشكال التعذيب ذي الطابع الجنسي بغرض الإذلال والعقاب، وكوسيلة للاستجواب لانتزاع المعلومات.
· توظف الجماعات المسلحة العنف الجنسي كأداة للتغيير الديموغرافي من خلال دفع المواطنين للنزوح وترك أراضيهم قسرًا من خلال استهداف النساء والأطفال والتنكيل بالرجال.
· يستخدم أيضًا كجزء من الاقتصاد السياسي للحرب، حيث تعامل الجماعات المسلحة النساء والفتيات والأطفال باعتبارهنَّ غنائم حرب؛ كما يُستخدمنَّ كحافز لتشجيع تجنيد الشباب من خلال الوعود بتزويجهم أو منحهم سبايا لأغراض جنسية، أو باعتبارهنَّ سلعًا يُتاجر بها مقابل المال أو الأسلحة.
ولا يقتصر تأثير العنف الجنسي على النساء والفتيات اللائي أقدم العديد منهنَّ على الانتحار لينجو بأنفسهنَّ من عمليات الاغتصاب على أيدي الجماعات المسلحة، بل تفاقم الأمر لتصل آثاره للمجتمع السوداني ككل، وعلى المدى الطويل، حيث يؤثر سلبًا على التعايش والسلام المجتمعي مستقبلًا، فمن الصعوبة بمكان التعايش مع مرتكبي هذه الجرائم، كما يتواجد أطفال يصعب إثبات هويتهم وأوضاعهم القانونية ونسبهم، وهم نتاج عمليات الاعتداء الجنسي والاغتصاب، وبالتالي يواجهون الإقصاء والكراهية، مما يولّد مناخًا ملائمًا لتجنيدهم مستقبلًا كجيل من المقاتلين في الجماعات المسلحة والمتطرفين الناقمين على الدولة والمجتمع.
ونستكمل الجوانب الثلاثة الباقية في الجزء الثاني من المقال في العدد القادم.




التعليقات (0)
جاري التحميل...