د. محمد الواثق عبد الحميد الجريفاوي
من إفادة أورفالدر إلى سؤال البحث:
لفتت نظري، وأنا أقرأ مذكرات جوزيف أورفالدر المعنونة: "عشر سنوات من الأسر في معسكر المهدي"، إفادته بأن الاحتفال بالمولد النبوي قد مُنع بأمر الإمام المهدي. ولم تكن أهمية هذه الإفادة بالنسبة لي في إثبات المنع أو نفيه بقدر ما أثارت لديَّ سؤالًا آخر: إذا كان الاحتفال بالمولد قد مُنع فعلًا، فما موقع المولد النبوي بوصفه مناسبة دينية في خطاب الإمام المهدي نفسه؟
ومن هنا اتجهت إلى البحث عن مناسبة المولد في خطب الإمام المهدي ومنشوراته المنشورة في المجلد السادس من"الآثار الكاملة للإمام المهدي"، التي جمعها وحققها ونشرها البروفيسور محمد إبراهيم أبو سليم، محاولًا الوقوف على أي نص يشير إلى موقف الإمام من المولد، سواء أكان موقفًا إيجابيًا أم سلبيًا، أو إلى ممارسة الاحتفال به أو النهي عنه.
وكانت النتيجة اللافتة أنني لم أقف، فيما راجعت من هذه الخطب والمنشورات، على نصٍّ صريح يتناول الاحتفال بالمولد النبوي باعتباره مناسبة دينية، لا بالمدح ولا بالذم ولا بالأمر ولا بالنهي.
وهنا تصبح المسألة أكثر إثارة من مجرد البحث عن دليل يؤيد رواية أورفالدر؛ إذ إن غياب المناسبة عن الخطاب المنشور للإمام المهدي يفتح بابًا آخر للبحث: هل كان المولد خارج دائرة اهتمامه في تلك المرحلة؟ وهل كان عدم الاحتفال به نتيجة موقف ديني منه؟ أم أن الأمر يرتبط بالظروف الاستثنائية التي نشأت فيها المهدية، وبطبيعة المشروع الذي كان الإمام المهدي يعمل على بنائه؟
رواية أورفالدر: شهادة تحتاج إلى قراءة سياقها:
تزداد أهمية هذه الأسئلة عند العودة إلى النص الذي استندت إليه رواية أورفالدر. فالإفادة المتعلقة بمنع المولد لم ترد في سياق مستقل يصف موقف الإمام الفقهي من هذه المناسبة، وإنما جاءت ضمن سياق أوسع حاول فيه أورفالدر أن يصور مكانة الإمام المهدي في وجدان أنصاره.
ففي النص الذي وجدته في النسخة العربية من مذكراته، يذكر أن الأنصار كانوا أحيانًا يدعون المهدي بعبارة "خليفة الرسول"، وأحيانًا يجعلونه حتى في موضع "النبي"، ثم ينتقل إلى القول إن النبي محمدًا ﷺ كان يحتل في أذهان الناس مركزًا ثانويًا، ويورد عقب ذلك أن الاحتفال بالمولد النبوي قد مُنع بأمر المهدي.
وهذا السياق مهم جدًا؛ لأنه يجعل العبارة المتعلقة بالمولد جزءًا من بناء سردي أراد به أورفالدر أن يبرهن على تعاظم مكانة المهدي في نفوس أتباعه، وليس مجرد تسجيل محايد لمعلومة إدارية أو دينية.
ومن ثم فإن التشكيك هنا لا يعني بالضرورة تكذيب أورفالدر، وإنما يعني ضرورة الحذر من اقتطاع الإفادة من سياقها وتحويلها إلى دليل مستقل على موقف فقهي للإمام المهدي من المولد.
بل إن القراءة المتأنية للسياق تثير سؤالًا مشروعًا: إذا كان الراوي يريد أن يثبت أن الأنصار قدّموا المهدي، في تصورهم، على النبي ﷺ، فهل يمكن أن تكون الإشارة إلى منع المولد إحدى القرائن التي اختارها لتدعيم هذه الصورة؟
وهنا تصبح الإفادة شهادة تستحق الفحص والمقارنة، لا نتيجة نهائية للبحث.
ماذا تقول نصوص الإمام المهدي؟:
العودة إلى خطب الإمام المهدي ومنشوراته في المجلد السادس، تضعنا أمام خطاب ديني له سماته الواضحة: التوبة، والذكر، والزهد، والتجرد، والصبر، والجهاد، والاستعداد للآخرة، وطاعة الله ورسوله، والاستجابة لمقتضيات الدعوة.
لكن ما يلفت النظر هو أن هذه النصوص، فيما وقفت عليه، لا تجعل من الاحتفال بالمولد موضوعًا قائمًا بذاته.
وهذا الغياب لا ينبغي أن يُحمّل أكثر مما يحتمل.
فليس كل ما لم يذكره الإمام في منشوراته يكون بالضرورة مرفوضًا لديه. كما أن عدم وجود نصٍّ عن الاحتفال بالمولد لا يثبت أنه لم يكن معروفًا بين الناس، ولا أنه كان محرمًا في نظر الإمام.
لكن الغياب يصبح ذا دلالة حين يوضع إلى جانب طبيعة الخطاب العام للإمام، وإلى جانب شهادة أورفالدر عن المنع.
وهنا يبدأ البحث الحقيقي.
المهدية لم تكن في بدايتها مجتمعًا مستقرًا:
لفهم هذا الغياب، لا بد من استحضار طبيعة المهدية نفسها.
فالمهدية كانت منذ بدايتها دعوة وثورة في آن واحد. وكان الإمام المهدي يتحرك بين الهجرة والمقاومة والجهاد، ثم الحصار والفتح، قبل أن ينتقل إلى محاولة بناء الدولة.
ولم يكن أتباعه في تلك السنوات جماعة مستقرة تمارس حياتها الدينية والاجتماعية في ظروف طبيعية؛ بل كانوا في حالة تعبئة مستمرة، يعيشون مشاق الحرب والتنقل، ويُطلب منهم التجرد عن كثير من علائق الحياة والانخراط في مشروع يتطلب منهم التضحية بالنفس والمال.
ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا غلب على خطاب الإمام الزهد والتجرد والتعبئة والجهاد.




التعليقات (0)
جاري التحميل...