طاهر المعتصم

جاء في الأنباء، بحسب الصفحة الرسمية لوزارة العدل، أن اللجنة الفنية لمنع التحصيل غير القانوني عقدت اجتماعًا مع مفوضية تشجيع الاستثمار بولاية الخرطوم لبحث الرسوم المفروضة على المستثمرين، بعد تزايد الشكاوى من رسوم وجبايات يرى المستثمرون أنها غير قانونية أو مكررة، مع الاتفاق على تعزيز التنسيق بين الجانبين، وإتاحة الفرصة لأي مستثمر يتعرَّض لرسوم غير قانونية للتقدم بشكوى، إلى جانب مراجعة الرسوم التي تثقل كاهل القطاع، خاصة القطاع الصناعي.

وعلى الرغم من أن الخبر يبدو في ظاهره إجراءً إداريًا عاديًا، فإنه يحمل في مضمونه اعترافًا رسميًا بأن ظاهرة التحصيل غير القانوني تجاوزت حدود الحالات الفردية، وأصبحت معضلة تؤثر مباشرة في بيئة الاستثمار والاقتصاد الوطني. فحين تضطر الدولة إلى تشكيل لجنة لمنع الجبايات غير القانونية، فإن ذلك يعني أن المشكلة لم تعد استثناءً، بل أصبحت واقعًا يستوجب المواجهة.

في السودان، لم تعد العقبة الأساسية أمام الاستثمار نقص الموارد أو ضعف الفرص، وإنما تضخم الرسوم، وتعدد جهات التحصيل، وتداخل الاختصاصات بين مستويات الحكم المختلفة. وأصبح المستثمر مطالبًا بدفع رسوم في أكثر من محطة، بعضها لا يستند إلى سند قانوني واضح، وبعضها يتكرر تحت مسميات مختلفة، حتى غدت تكلفة الجبايات في أحيان كثيرة أعلى من تكلفة ممارسة النشاط الإنتاجي نفسه.

ولا يقتصر أثر هذه الظاهرة على المستثمر وحده، بل يمتد إلى الاقتصاد الوطني بأكمله. فالرسوم غير القانونية ترفع تكلفة الإنتاج، وتزيد أسعار السلع، وتضعف القدرة التنافسية للصناعة الوطنية، وتبعث برسائل سلبية إلى المستثمرين المحليين والأجانب في وقت يحتاج فيه السودان إلى جذب رؤوس الأموال وتحفيز الإنتاج، لا إلى إرهاقه بالمزيد من الأعباء.

ولعل بيت المتنبي يلخص المشهد بأبلغ عبارة حين قال:

"ولم أرَ في عيوبِ الناسِ عيبًا
كنقصِ القادرينَ على التمامِ"

فالحكومة تعلم أين تكمن بؤر التحصيل غير القانوني، وتدرك الجهات التي تفرض الرسوم خارج القانون، وتعرف حجم الضرر الذي يلحق بالمستثمرين والاقتصاد الوطني. ومع ذلك، لا يزال العلاج يدور في فلك تشكيل اللجان، وعقد الاجتماعات، وتعزيز التنسيق، وانتظار أن يتقدم المستثمرون بالشكاوى، بينما المطلوب هو الحسم، وتطبيق القانون، وإزالة الفوضى التي ضربت بأطنابها في منظومة الجبايات.

وأخلص إلى أن بناء بيئة استثمارية جاذبة لا يبدأ بتكاثر اللجان، وإنما بإرادة سياسية وإدارية تنهي فوضى الرسوم والجبايات، وتفرض سيادة القانون على الجميع، وتعيد للدولة هيبتها، وللمستثمر ثقته، وللاقتصاد الوطني قدرته على الإنتاج والنمو. فالاستثمار لا ينتظر لجنة جديدة، بقدر ما ينتظر قرارًا شجاعًا يعيد الاعتبار لسيادة القانون، ويؤكد أن الدولة قادرة على حماية المستثمر قبل أن تطلب منه تقديم شكوى.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...