محمد الأمين عبد النبي
لم تعد الحرب في السودان تقاس بعدد الضحايا أو حجم الدمار وحدهما، فهناك خطر آخر يتنامى بعيدًا عن ساحات القتال، يتمثل في تمدد اقتصاد الحرب تتداخل فيه تجارة المخدرات والتهريب والنهب المنظم وغسل الأموال والفساد، مستفيدًا من تراجع سلطة الدولة وانهيار مؤسسات إنفاذ القانون. وما يجري اليوم يتجاوز كونه إحدى نتائج الحرب، ليشكل تهديدًا مباشرًا لمستقبل الدولة والمجتمع.
توالت تقارير وتحذيرات عن تنامي شبكات الاتجار بالمخدرات واتساع مسارات التهريب عبر الحدود، بالتزامن مع تصاعد عمليات النهب المنظم التي استهدفت الأسواق ووسائل النقل والممتلكات الخاصة. هذه المؤشرات تكشف عن تشكل اقتصاد موازٍ يجد في الفوضى بيئة مثالية للنمو، ويزداد قوة بضعف مؤسسات الدولة.
وقد أتاح انهيار المنظومة الأمنية فراغًا واسعًا استغلته شبكات الجريمة المنظمة لتوسيع نشاطها، مستفيدة من هشاشة الحدود وتعدد مراكز النفوذ. وفي مثل هذه البيئات، تتحول تجارة المخدرات إلى واحدة من أكثر الأنشطة الإجرامية ربحًا، وترتبط بشبكات محلية وإقليمية، بما يهدد الأمن والسلم الاجتماعي.
وإذا كانت ظاهرة "تسعة طويلة" قد عكست في وقت سابق صورة الجريمة الحضرية، فإن المشهد الراهن تجاوز تلك المرحلة بكثير. فالتحدي اليوم يتمثل في شبكات أكثر تنظيمًا تمتلك السلاح والمال وحرية الحركة، وتفرض نفوذها مستفيدة من غياب سلطة الدولة. وتعد مظاهر النهب والابتزاز والاتجار بالمخدرات جزءًا من واقع فرضته الحرب، بما يقوض الثقة في المؤسسات ويمزق النسيج الاجتماعي.
وتزداد خطورة هذا الواقع لأن تجارة المخدرات والتهريب والنهب، أصبحت أحد روافد اقتصاد الحرب، بما توفره من موارد مالية تغذي شراء السلاح وتمويل العنف وتعزيز نفوذ الجماعات المسلحة. وهكذا تنشأ علاقة متبادلة؛ فالحرب توفر البيئة المناسبة لازدهار الجريمة المنظمة، بينما تمنح المخدرات والجريمة الحرب مصادر جديدة للاستمرار.
وفي ظل تعدد المليشيات، وجد آلاف الشباب أنفسهم بين الفقر والبطالة وانهيار الخدمات، فانخرط كثير منهم فيها بحثًا عن الحماية أو المال. وعندما يتحول السلاح إلى وسيلة للعيش، وتصبح الأنشطة غير المشروعة مصدرًا للكسب، تتراجع منظومة القيم، وتتسع قدرة شبكات المخدرات والتهريب على استقطاب مزيد من الشباب.
إن السودان لا يواجه حربًا فقط، وإنما يواجه خطر ترسخ الجريمة المنظمة كقوة موازية للدولة تمتلك المال والسلاح والنفوذ. وتجارب العديد من الدول التي شهدت نزاعات مسلحة تؤكد أن تفكيك هذه الشبكات بعد النزاع أكثر تعقيدًا وكلفة من إنهاء الحرب نفسها.
ولهذا، فإن وقف الحرب يمثل الخطوة الأولى لاستعادة الدولة، لكنه لا يكفي وحده. فالمطلوب أيضًا تفكيك اقتصاد الحرب، وتجفيف مصادر التمويل غير المشروع، وإعادة بناء مؤسسات الشرطة والعدالة، وتشديد الرقابة على الحدود، وتعزيز التعاون الإقليمي في مكافحة الاتجار بالمخدرات وغسل الأموال، إلى جانب إطلاق برامج جادة لتشغيل الشباب وإعادة دمج المقاتلين، حتى لا يبقى الفراغ الاقتصادي مدخلًا لتغذية العصابات والميليشيات.
إن معركة السودان الحقيقية لم تعد تقتصر على إسكات البنادق، ولكنها تمتد إلى استعادة سلطة القانون قبل أن يترسخ اقتصاد الجريمة بوصفه البديل عن الدولة. فكل يوم تستمر فيه الحرب يمنح شبكات المخدرات والتهريب والجريمة المنظمة فرصة جديدة للتوسع، ويجعل كلفة استعادة الدولة أكبر. ولذلك، فإن حماية السودان تبدأ بوقف الحرب، لكنها لا تكتمل إلا ببناء دولة قوية تحتكر السلاح، وتفرض سيادة القانون، وتحاصر اقتصاد الجريمة قبل أن يتحول إلى الإرث الأخطر الذي تخلفه هذه الحرب.




التعليقات (0)
جاري التحميل...