طاهر المعتصم
حين تنهار مؤسسات الدولة، لا تنتشر الفوضى وحدها، بل تزدهر معها تجارة السلاح والمخدرات والجريمة المنظمة. وهذا ما يعيشه السودان اليوم، حيث لم تعد المخدرات مجرد قضية جنائية أو صحية، وإنما تحولت إلى أحد أخطر مهددات الأمن الوطني والسلم المجتمعي، مستفيدة من الحرب والانفلات الأمني واتساع رقعة السلاح.
وفي البلدان التي تطول فيها النزاعات المسلحة، تتراجع هيبة القانون، وتتداخل مصالح المهربين والعصابات مع واقع السلاح المنتشر، فتتحول الحدود إلى ممرات مفتوحة، والفراغ الأمني إلى فرصة لتحقيق أرباح طائلة. والسودان، بحكم موقعه الجغرافي وتشابك حدوده، أصبح أكثر عرضة لهذا الخطر من أي وقت مضى.
ويزيد من تعقيد المشهد تعدد التشكيلات المسلحة وشبه العسكرية التي أفرزتها سنوات الحرب، وسهولة الانضمام إلى بعضها أو انتحال صفاتها، الأمر الذي وفر غطاءً تستغله عصابات إجرامية لاستخدام الزي العسكري أو الادِّعاء بالانتماء إلى تشكيلات مسلحة لتسهيل حركة التهريب والإفلات من الرقابة. وقد تناولت تقارير إعلامية هذه الظاهرة، فيما أعلنت الشرطة السودانية في أكثر من مناسبة ضبط مجموعات إجرامية تنتحل صفات قوات نظامية أو تشكيلات مسلحة، في تأكيد على أن المجرمين كثيرًا ما يستغلون حالة السيولة الأمنية لتحقيق أهدافهم.
وفي هذا السياق، تكتسب قرارات مجلس الأمن والدفاع الخاصة بإخراج جميع التشكيلات شبه العسكرية من العاصمة أهمية استثنائية -إن نُفذت-، ليس فقط من منظور تنظيم الوجود المسلح، وإنما أيضًا من زاوية مكافحة الجريمة المنظمة وتجفيف البيئة التي تستغلها العصابات لانتحال الصفات العسكرية أو الاختباء خلفها. فاستعادة الدولة لاحتكار استخدام القوة، وحصر حمل السلاح في القوات النظامية التي ينظمها القانون، يمثلان المدخل الحقيقي لاستعادة الأمن وسيادة القانون، وإعادة الخرطوم إلى وضعها الطبيعي كعاصمة تحكمها المؤسسات، لا تعدد فيها لمراكز القوة ولا اختلاط بين العمل العسكري المشروع والأنشطة الإجرامية.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تستهدف الاقتصاد أو الأمن فحسب، بل تستهدف مستقبل المجتمع نفسه، وتفتح أبواب الإدمان والعنف والانهيار الأخلاقي أمام جيل يفترض أن يقود مرحلة إعادة الإعمار. ولذلك فإن مكافحة المخدرات لا تبدأ عند نقاط التفتيش وحدها، بل تبدأ باستعادة الدولة، وفرض سيادة القانون، وتجفيف منابع الفوضى، وإنهاء أي مظاهر للسلاح خارج الإطار القانوني.
لقد أثبتت التجارب أن الحروب لا تنتهي بتوقف إطلاق النار، إذ تبدأ بعدها معركة أصعب؛ معركة بناء الدولة. وفي السودان، ستكون إحدى أولى جبهات هذه المعركة هي الانتصار على تجارة المخدرات والجريمة المنظمة، لأن الأوطان لا تُبنى في ظل الفوضى، ولا ينهض مستقبلها إذا تُرك شبابها فريسةً للإدمان والعصابات.




التعليقات (0)
جاري التحميل...