عبدالله برير

رجلٌ نسيج وحده، ينتقي المفردة من كواكب موازية، هو أبو ذر العبارات اليتيمة، التي لا تنتمي إلى أي قاموس سوى قاموس خطاب المختلف.

صوت مصطفى آتٍ من مدارات التوهج، من كويكبات البعد، نقيًّا كضحكة طفل رضيع، يجسد معنى المجيء، مغموسًا وسط كومة من الشجن القاتل، سابحًا في أمواج الوجد.

"جلبت ليك"، مطلع النص مغاير؛ فهذا الرجل يناغم بين الفصحى والدارجة في تلاحم غريب، ويمزج المكونات بتوادٍّ بائن. من بلاد الله البعيدة، "صنوف"  جمع لطيف لا يشبه إلا نفسه :"صنوف من الوجد المُلح".!

ذلك الوجد الذي لا يهدأ، ويمور بالصبابة. عبارة خطابية » :درت ألقاك بالسمح»؛ فالحنين ينسل من ثنايا القصيدة، فيفوح عطرًا شفيفًا، مفردة حنينة مثل "ونسة الحبوبات" .. "ألقاك بالسمح"، أي بالجميل.

ينتقل خطاب إلى عوالم التصاوير، في تسلسل دفاق:

كنت بصطاد في الظهيرة
من مناقير الكنار
بوصلات سكك الأغاني.

صورة حية يتراءى فيها إحساس الوقت ومناجاة الموسيقى، ترى خلالها إصراره على انتقاء المفردات العذبة واصطيادها من براثن اللغة، ونصب فخاخ البوصلات لتعيين اتجاه الجميل من الكلام.

ومن قرى الليل القصية، يا إلهي، حيث السكون وهدوء الوقت وظلام اللحظة، يتحين الفرص للظفر بعطر الأماني "لو ألقى اللون أدسو"، ألبس اللون حالة الحياة، وجعله كائنًا يرى ويحس، ويغرس شعوره لملاقاتها؛ لقاءً يكون بمثابة هدية، تجعله يتفقد "الرعشة المعبية" في يديه.

ويضيف مصطفى سيد أحمد، بدوره، إلى النص قالب الخرافة ودهشة التصوير، بلحن تجريدي يحيل القصيدة إلى واقع يُسمع ويُرى ويُحس بكل الوضوح.

جلبت ليك من بلاد الله البعيدة
صنوف من الوجد المُلح
درت ألقاك بالسمح
كنت اصطاد في الظهيرة
من مناقير الكنار
بوصلات سكك الأغاني
ومن قرى الليل القصية
انتشل عطر الأماني
لو ألقى اللون أدسو
لما يغرس فيني حسو
لملاقاتك هدية
وأتفقد الرعشة المعبية
في إيديا

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...