محمد الأمين عبد النبي
تتقاطع في القرن الإفريقي أربعة مستويات من الصراع، تتمثل في الصراعات الداخلية، والتنافس على الموارد والممرات والموانئ، والصراع الإقليمي على النفوذ، وصراع القوى الكبرى من أجل الحضور في البحر الأحمر وامتداداته نحو المحيط الهندي. وقد نتج عن هذا التقاطع شبكة من الصراعات المركّبة؛ فإلى جانب النزاعات الداخلية والحدودية، ظهرت تعقيدات جديدة جعلت أي تصعيد في ساحة ما قابلًا للانتقال السريع إلى جوارها.
تُمثّل إثيوبيا الدولة المركزية في الإقليم، بحكم وزنها السكاني والجغرافي والاقتصادي والعسكري، غير أنها تواجه ضغوطًا داخلية متعددة نتيجة التوترات الإثنية. كما تواجه معادلة استراتيجية بحكم كونها دولة حبيسة، حيث أصبح الوصول إلى البحر جزءًا أصيلًا من تفكيرها.
وقد عمّقت تفاهماتها مع صوماليلاند من معضلتها، إذ أثارت ضدها جبهة واسعة، لتجد نفسها أمام تقاطع مصالح تحوّل إلى ما يشبه محورًا مضادًا يحيط بها من الشمال والشرق والغرب. إلا أن إعلان أنقرة بين إثيوبيا والصومال جاء ليؤكد مبدأ احترام سيادة الصومال ووحدة أراضيه، مع الإقرار بحق إثيوبيا في الوصول الموثوق والمستدام إلى البحر.
تُشكّل العلاقة الإثيوبية- الإريترية أحد أخطر ملفات الأمن الإقليمي؛ فالتقارب الذي أعقب اتفاق السلام لم يُلغِ جذور التنافس، إذ أعادت تطورات الحرب الداخلية الإثيوبية إنتاج الشكوك المتبادلة بشأن ملفات الحدود وطموح إثيوبيا البحري. وتحذر التقديرات من أن تصاعد التوتر مجددًا قد يعيد إنتاج صراع تتجاوز تداعياته حدود الدولتين. والجديد في المشهد أن أسمرا تحولت من طرف منفرد إلى ركن أساسي في محور أوسع يضم القاهرة ومقديشو والخرطوم.
يظل السودان الحلقة الأكثر هشاشة في المنطقة؛ إذ جعلته الحرب المستمرة أكثر عرضة للارتدادات الإقليمية، مما يفاقم تدفق السلاح والتهريب والنزوح، ويوفر بيئة لتوسع حروب الوكالة. وبالرغم من موقعه المركزي، أضعفت الحرب قدرته على تحويل هذا الموقع إلى سياسة متوازنة، وتهدد بتحويل البلاد إلى ساحة للتنافس الإقليمي.
لا تكتمل قراءة صراعات الإقليم دون إدراك مركزية ملف النيل؛ فقد تجاوز سد النهضة إطاره الفني ليصبح جزءًا رئيسًا من معادلة الأمن الإقليمي بين مصر والسودان وإثيوبيا، وعاملًا محركًا لخرائط التحالفات.
وعليه، فإن القرن الإفريقي تُسيّره محاور وتحالفات تشكّلت حول الأمن والموانئ والبحر الأحمر، وتتجاذب المشهد ثلاثة سيناريوهات؛ أولها استمرار التوترات دون حرب شاملة، وهو السيناريو الأقل سوءًا، لكنه يترك أسباب الأزمات قائمة. وثانيها التصعيد المتدرج وهو الأكثر قابلية للاستمرار والاستنزاف، في ظل وجود محورين متقابلين يتبادلان الضغط عبر الحدود. وثالثها الانفجار الإقليمي، في حال حدوث مواجهة مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا، بالتزامن مع أزمة الصومال واستمرار حرب السودان واضطراب الملاحة في البحر الأحمر.
وللتغلب على هذه السيناريوهات، يُعدّ من المفيد استعادة رؤية الإمام الصادق المهدي، عليه الرضوان، التي طرحت مقاربة إقليمية للأمن والتعاون التنموي، وذلك عبر أربعة مرتكزات أساسية، هي: "الأمن الجماعي، والتسوية السياسية للنزاعات، والتكامل الاقتصادي، والتوازن الدولي". وتتيح هذه المقاربة معالجة قضايا الإقليم بأسلوب يضمن لإثيوبيا منفذًا بحريًا عبر اتفاقات تحترم السيادة، واحتواء التوتر الإثيوبي- الإريتري بترتيبات إقليمية، إلى جانب حل الأزمة السودانية عبر عملية سياسية مدعومة بتوافق إقليمي، بما يؤدي في النهاية إلى تحويل البحر الأحمر إلى مجال للمصالح المشتركة، وإرساء قواعد دائمة لإدارة الخلافات.
إن الخطر الحقيقي يكمن في تزامن الأزمات وتحول التحالفات إلى وقود للاستقطاب. إن تفعيل آليات التهدئة وبناء ترتيبات قائمة على المصالح المتبادلة والتعاون الاستراتيجي، يمثّلان مدخلًا للاستقرار الإقليمي.




التعليقات (0)
جاري التحميل...