أبوهريرة زين العابدين عبد الحليم

لا يحتاج السودانيون اليوم إلى ساحر سياسي كي يدرك أن بلادهم تعيش أخطر لحظاتها منذ الاستقلال. فالحرب التي اندلعت بين الجيش والدعم السريع لا يمكن النظر إليها كمواجهة عسكرية فقط، فقد تحوّلت إلى زلزالٍ يعيد تشكيل الخريطة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ويهدّد بتمزيق ما تبقى من الدولة. وفي خضم هذا الانهيار، هنالك سؤال واحد يلح ويظهر في وجوه أطفال السودان ونسائه، أي طريقٍ يمكن أن ينقذ السودان؟ هل هو الحسم العسكري الذي يَعِدُ بسلطة واحدة، أم الحلُّ السياسيُّ فربما يأتي بسلامٍ هشٍّ لكنه أقل كُلفة؟ فالكرامة ليست في "حرب الكرامة" كما يتخيل البعض، بل في إيقاف هذه الحرب الكريهة من أجل أن يعيش السودانيون في كرامة.

الحسم العسكري أو "حرب الكرامة" يبدو للوهلة الأولى، خيارًا جذابًا لمن يؤمن بأن الدولة لا تُبنى إلا على مركز واحد للقوة. ولكن هذا الخيار يحمل في طياته كلفة لا يمكن للسودان تحمّلها. فالنصر العسكري في نزاعٍ بهذا الحجم لا يأتي بلا ثمن، مدنٌ مدمّرة، ملايين النازحين، اقتصادٌ منهار، ومجتمعٌ يتآكل من الداخل. والأسوأ أن التجارب الإقليمية تُظهر أن الهزيمة العسكرية لا تُنهي الخصومة؛ بل قد تدفع الطرف المهزوم إلى حرب عصابات أو تحالفات خارجية تعيد إشعال النار من جديد، لذلك تستمر هذه الحروب لسنوات طويلة. اليمن والصومال مثالان صارخان على أن النصر العسكري قد يكون مجرد هدنة قصيرة قبل جولة أشدّ قسوة. لذلك يردد الساسة أنه لا توجد حلول عسكرية، والحرب في إحدى تعريفاتها هي سياسة بشكل عنيف.

في المقابل، يقدّم الحل السياسي التفاوضي طريقًا أقل دموية وأكثر قابلية للبناء، لكنه ليس طريقًا مفروشًا بالورود. فالتفاوض في السودان يشبه السير فوق أرضٍ رخوة أو السير فوق الماء؛ انعدام ثقة بين الأطراف، تعدّد ميليشيات، تدخلات إقليمية، وغياب مؤسسات دولة قادرة على تنفيذ أي اتفاق. ومع ذلك، فإن تجارب مثل لبنان بعد اتفاق الطائف ورواندا بعد المصالحة الوطنية، تُظهر أن الحلول السياسية الجذرية يمكن أن تنجح إذا اقترنت بإرادة وطنية صادقة وضغط دولي فعّال، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة لا تُعيد إنتاج الأزمة.

تكاليف الحرب السودانية اليوم تتجاوز حدود المعارك. الاقتصاد ينهار بوتيرة غير مسبوقة، الزراعة والصناعة توقفت، الأسواق تفككت، والعملة فقدت قيمتها. اجتماعيًا، تفككت الأسر، وانهارت شبكات التضامن، وانتشرت الجريمة، وتعمّقت الانقسامات الجهوية والقبلية. سياسيًا، تآكلت شرعية الدولة، وتعدّدت السلطات، وتحولت الكثير من المدن إلى ساحة صراع مفتوح. بشريًا، يعيش ملايين السودانيين بين النزوح والجوع وانعدام الأمن، في واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم اليوم. هذه التكاليف تجعل أيّ حلّ لا يوقف الحرب فورًا غير قابل للاستمرار، سواء كان عسكريًا أم سياسيًا.

وعند مقارنة السودان بدول واجهت أزمات مشابهة، يتضح أن النموذج الرواندي في الحسم العسكري جاء بعد إبادة جماعية لا يمكن تكرارها، وأن النموذج اللبناني في التسوية السياسية نجح بالرغم من هشاشته، وأن النموذج اليمني فشل بسبب تعدّد الميليشيات وتدخلات الخارج. السودان يشبه هذه النماذج جميعًا في جوانب مختلفة، ما يجعل الحل الأحادي مستحيلًا. الطريق الواقعي هو حلٌّ مركّب وقف إطلاق النار، إصلاح سياسي شامل، إعادة بناء جيش موحّد، دعم دولي قوي، ومشروع وطني يعالج جذور الأزمة لا مظاهرها فقط.

خلاصة القول، فقراء السودان ليسوا بحاجة إلى منتصر وسوف لا يخلق أي انتصار متوهم حلًّا وحيث لا يوجد حلٌّ في هذا النوع من الحروب، بقدر حاجتهم إلى دولة تُنقذ ما تبقى من كرامة، فالكرامة ليست في "حرب الكرامة" بل في إيقاف الحرب لحفظ كرامة السودانيين التي تبعثرت في معسكرات اللجوء والنزوح. فالحسم العسكري قد يمنح طرفًا واحدًا السيطرة، لكنه يحمل كلفة لا تستطيع البلاد تحمّلها، وقد يقود إلى دورة جديدة من العنف. أما الحلُّ السياسي الجذري فهو أقل كلفة وأكثر قابلية للاستدامة، لكنه يحتاج إلى إرادة وطنية صلبة، وضغط دولي فعّال، ورؤية جديدة لبناء الدولة. بين فوهة البندقية ومائدة التفاوض، يبقى الخيار الحقيقي هو ما يعيد للسودان إمكانية الحياة، لا ما يضيف فصلًا جديدًا إلى كتاب الحرب الكريهة.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...