طاهر المعتصم
الذي يسير في شارع النيل بأم درمان، هذه الأيام تصيبه، الدهشة من كثرة الارتكازات وتعدد الجهات التي تتولى أمرها. فهنا ارتكاز يتبع لكتيبة البراء بن مالك، التي صنَّفتها الإدارة الأمريكية في مارس 2026م ضمن كيانات مرتبطة بالإرهاب وخاضعة للعقوبات، وبعد مسافة قصيرة يبرز ارتكاز لإحدى الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام، ثم يلوح ارتكاز آخر يتبع للقوات المسلحة. أما المواطن العادي فلا يملك سوى أن يتساءل: مَنْ الذي يحكم الشارع فعليًا؟
مصدر الدهشة أن هذا المشهد لا يحدث في الأيام الأولى للحرب أو خلال معارك استعادة العاصمة، بل بعد نحو أحد عشر شهرًا من القرار الذي أصدره الفريق أول عبد الفتاح البرهان في يوليو 2025م بتشكيل لجنة عليا برئاسة الفريق إبراهيم جابر، وحدد لها مهمة واضحة تتمثّل في إخلاء ولاية الخرطوم من المظاهر العسكرية والتشكيلات المسلحة، وإعادة العاصمة إلى وضعها الطبيعي، تمهيدًا لعودة المواطنين واستئناف مؤسسات الدولة نشاطها.
ولم يكد يمضي شهر على القرار حتى أعلن الفريق إبراهيم جابر، في أغسطس 2025م، أن عملية إخراج القوات المقاتلة من ولاية الخرطوم بلغت نسبة 98%، مؤكدًا أن العمل يسير وفق الخطة الموضوعة، وأن العاصمة تتجه نحو مرحلة جديدة تتراجع فيها المظاهر العسكرية لصالح المؤسسات المدنية والأجهزة الشرطية المختصة.
يومها استقبل السودانيون تلك التصريحات بكثير من التفاؤل. فقد كانت الحرب قد أرهقت البلاد، وأفرزت واقعًا أمنيًا معقدًا، وانتشارًا واسعًا للسلاح، ووجودًا لقوات متعددة داخل المدن. وكان من الطبيعي أن يرحب الناس بأية خطوة تعيد للدولة احتكارها المشروع للقوة، وتعيد للعاصمة هيبتها المفقودة.
لكن ما بين التصريحات والواقع تبدو المسافة أكبر مما ينبغي.
فالمواطن الذي يتجوّل اليوم في أم درمان أو الخرطوم أو بحري، لا يحتاج إلى تقارير رسمية ليعرف أن المظاهر العسكرية لم تختفِ بالكامل، وأن الارتكازات ما زالت جزءًا من المشهد اليومي في عدد من المواقع. بل إن تعدد الجهات الحاملة للسلاح أصبح في بعض الأحيان مدعاة للحيرة أكثر منه باعثًا على الطمأنينة.
وخلال الأيام الماضية، أعادت بعض الحوادث هذا الملف إلى واجهة النقاش العام. فقد أثارت حادثة الاعتداء على أحد المواطنين بواسطة عناصر تتبع لقوة شبه عسكرية (مسلحي حركات جوبا)، موجة واسعة من الغضب والاستنكار، ليس فقط بسبب الاعتداء نفسه، وإنما لأنها طرحت سؤالًا مشروعًا حول طبيعة وجود هذه القوات داخل العاصمة بعد مرور كل هذه الفترة على قرارات الإخلاء.
وقبل أن تهدأ ردود الفعل، جاءت واقعة النقيب محمد المنتصر مع أحد المتطوعين لتفتح الباب مجددًا أمام التساؤلات المتعلّقة بالانضباط العسكري، وتعدد الجهات المسلحة، وحدود الصلاحيات داخل المدن. وهي أسئلة لا ينبغي التعامل معها باعتبارها خلافات فردية عابرة، بل باعتبارها مؤشرات على أن ملف حصر السلاح واحتكار الدولة لاستخدام القوة لم يُحسم بعد بالصورة المطلوبة.
المشكلة ليست في نقص القرارات. فالقرارات صدرت، واللجان شُكّلت، والتصريحات أُطلقت، ونسب الإنجاز أُعلنت. لكن الدولة لا تُقاس بما تصدره من قرارات بقدر ما تُقاس بقدرتها على تنفيذها. وما دام المواطن يرى بعينيه ما يناقض ما يسمعه في البيانات الرسمية، فإن الأسئلة ستظل مطروحة بإلحاح.
فإذا كانت عملية الإخلاء قد بلغت 98% منذ أغسطس 2025م، فمَنْ المسؤول عن النسبة المتبقية؟ ولماذا تبدو هذه النسبة الصغيرة -إن صحت- أكبر بكثير مما تعكسه الأرقام؟ ومَنْ الذي يتحمل مسؤولية استمرار بعض المظاهر العسكرية والتفلتات الأمنية التي تظهر بين الحين والآخر؟
إن استعادة الخرطوم لا تكتمل بعودة الوزارات فقط، بل تكتمل عندما يصبح السلاح حكرًا على المؤسسات النظامية التي ينظمها القانون، وعندما يشعر المواطن أن الدولة وحدها هي صاحبة القرار في الشارع.
فالخرطوم التي دفعت ثمنًا باهظًا للحرب، تستحق أكثر من الوعود والتصريحات. تستحق أن ترى نتائج القرارات على الأرض. وبعد أحد عشر شهرًا من قرار إخلاء العاصمة من المظاهر العسكرية ودخول قوات شبه عسكرية جديدة (النور قبة، موسى هلال)، لا يزال السؤال قائمًا:
مَنْ يعطل قرارات الفريق البرهان، ومتى يمكن أن نرى تنفيذًا فعليًا لعاصمة خالية من أي مظاهر شبه عسكرية ووجود مكثف للشرطة السودانية، فقد ذاق السودانيون وجود قوة شبه عسكرية قبل 15 إبريل 2023م، ودفعوا وما زالوا يدفعون ثمن ذلك.




التعليقات (0)
جاري التحميل...