عامر علي الحاج

 

وأنا أتابع أخبار مشاريع النازحين في مدن الولايات، ومعظمها مشاريع استهلاكية صغيرة، قصيرة دورة رأس المال، محدودة العمالة والتقنية، قفز إلى ذهني تعبير سوداني شعبي سمعته كثيرًا من كبار السن تعليقًا على لعب الأطفال: "الخراب هين لكن العمار صعب".

أستعيره هنا دون مطابقة كاملة، لكنه ليس بعيدًا عما يحدث في اقتصادنا.

فإنشاء محل للأطعمة والمشروبات، أو بقالة، أو متجر للملابس، أو مشروع منزلي لبيع منتجات النظافة والمطبخ، أسهل كثيرًا من إنشاء مصنع أو مزرعة حديثة أو مشروع إنتاجي كبير. لا يحتاج الأول إلى رأس مال ضخم، ولا إلى تكنولوجيا معقدة، ولا إلى تخطيط طويل، وتدور فيه النقود سريعًا. ولهذا يبدو في لحظته حلًّا ممتازًا لمن فقد مصدر دخله، أو نزح من مدينته، أو يريد أن يبدأ من الصفر.

لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح هذا هو الطريق المتاح للجميع.

فالسوق لا يحتاج إلى عدد غير محدود من البقالات والمطاعم ومحال الملابس. وكلما دخل إليها عدد أكبر من الناس، بينما ظلت القدرة الشرائية محدودة، بدأت الأرباح في الانكماش، حتى يتحول النشاط الذي كان جاذبًا إلى نشاط طارد.

وهذا بالضبط ما يجعل المسألة أكبر من قصة مشروع صغير.

فالاقتصاد السوداني قبل الحرب كان يعاني أصلًا من اختلال عميق بين الاستهلاك والإنتاج، ومن ضعف الصناعة والزراعة الحديثة، وضآلة الادخار والاستثمار، ومن اقتصاد واسع خارج الجهاز الرسمي. ثم جاءت الحرب فضربت ما تبقى من القدرة الإنتاجية والبنية التحتية والأسواق وسلاسل التجارة.

ولذلك لا ينبغي أن نفهم الأزمة الاقتصادية الحالية باعتبارها مجرد نتيجة للحرب، كما لا يصح أن نتصور أن انتهاء القتال وحده سيعيد الاقتصاد إلى عافيته.

يكفي أن ننظر إلى الجنيه.

بعد عامين من استعادة الجيش السيطرة على الخرطوم، لم تكن عودة العاصمة إلى سيطرة الدولة مصحوبة بعودة مماثلة إلى اقتصاد منتج. وفي سبتمبر 2026 تجاوز الدولار في السوق الموازية مستويات قياسية، بعد أن وصل في أسابيع قليلة إلى أكثر من (8,000) جنيه قبل أن يتراجع إلى نحو (7,300–7,500) جنيه. وفي يونيو بلغت التضخمات السنوية (51.28%)، وفق البيانات المنشورة عن الجهاز المركزي للإحصاء.

المفارقة أن الخرطوم يمكن أن تعود إلى الدولة قبل أن يعود الاقتصاد إلى الحياة.

فالعملة لا تستعيد قيمتها بالأمن وحده، ولا بالقبض على تجار العملة وحدهم. قيمة الجنيه في النهاية مرتبطة بما ينتجه السودان، وما يصدره، وما يدخل إليه من عملات أجنبية، وبالثقة في مؤسساته وقدرته على إدارة موارده.

وهنا نعود إلى أصل المشكلة.

عندما تتوجه الموارد المحدودة للأسر نحو الاستهلاك، بينما يظل الإنتاج ضعيفًا، تصبح السوق أكثر اعتمادًا على الواردات، ويصبح سعر الصرف أكثر حساسية لشح العملة الأجنبية، ثم ترتفع الأسعار، فتحتاج الأسر إلى مزيد من المال لتشتري الشيء نفسه، فتقل قدرتها على الادخار والاستثمار، وتدور الحلقة في اتجاهها الأسوأ.

وهذه ليست مشكلة يستطيع الفرد حلها بمفرده.

الإنتاج يحتاج إلى كهرباء ومياه وطرق وموانئ وتمويل وتكنولوجيا ومهارات وأسواق وقوانين مستقرة، والأهم إلى إدارة عامة تستطيع أن تنظر إلى الاقتصاد باعتباره منظومة واحدة، لا مجموعة رسوم ورخص ومشروعات متفرقة.

ولهذا فإن مشاريع النازحين الصغيرة مهمة، وينبغي دعم أصحابها، لكن لا يجوز أن تصبح بديلًا عن سياسة إنتاجية وطنية.

فالمدينة التي تستقبل النازحين لا تحتاج فقط إلى أن تمنحهم رخصة لفتح دكان؛ تحتاج إلى أن تسأل: كيف نجعل بعض هؤلاء منتجين للغذاء؟ كيف ننشئ ورشًا ومصانع صغيرة؟ كيف نربط رأس المال بالمهارة وبالسوق؟ وكيف نجعل النشاط الفردي لبنة في اقتصاد، لا مجرد وسيلة للبقاء؟

عشان كدا العمار صعب.

الخراب ممكن يحصل من غير تخطيط: يكفي أن نترك الناس يتدافعون نحو أقرب فرصة للعيش.

أما العمار فيحتاج إلى مجتمع عنده عهد وتعاقد، وإدارة محترمة ومعترف بها، تعرف الزمان والمكان والناس، وتخضع لهم وتهتم بشأنهم، وتعمل بالعلم والاحتراف والنزاهة.

نحتاج دولة لا تكتفي بإدارة آثار الأزمة، بل تبني القدرة التي تمنع إعادة إنتاجها.

فالخراب قد يبدأ من محل صغير، ومن قرار فردي مفهوم ومشروع.

لكن العمار لا يبدأ بالمحل. العمار يبدأ ببناء النظام الذي يجعل ألف محل، وألف مزرعة، وألف ورشة، وألف عامل، يعملون معًا لإنتاج الثروة لا لتقسيم الفقر.

#شفت_كيف

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...