عامر علي الحاج

 

يمكن أن نفهم تمامًا لماذا يخشى سودانيون كثيرون تكرار تجربة قوات الدعم السريع. فمن عاش ما جرى في الخرطوم والجزيرة ودارفور وكردفان، أو رأى أثر الانتهاكات والنزوح وانهيار الأمن، لا يمكن أن يُطلب منه أن يتعامل مع هذا الخوف باعتباره مجرد دعاية سياسية. الخوف من عودة قوة مسلحة تمتلك السلاح والنفوذ والقدرة على فرض إرادتها على المجتمع خوف حقيقي، ومن غير العقل تجاهله.

لكن الاعتراف بهذا الخوف لا يعني منح الجيش السوداني صكًا على بياض.

فالخطأ يبدأ حين يتحول سوء إدارة الدعم السريع للمناطق التي سيطر عليها، أو الجرائم التي ارتكبها، إلى دليل تلقائي على أن إدارة الجيش للدولة تصبح صحيحة. لا توجد علاقة منطقية بين الأمرين. أن يكون البديل مخيفًا لا يجعل البديل الآخر معصومًا.

والسؤال الأهم بعد 15 أبريل ليس فقط: كيف نمنع تكرار تجربة الدعم السريع؟ وإنما: ما الذي جعل ظهور تجربة كهذه ممكنًا أصلًا؟

الجيش ليس طرفًا خارجيًا في هذه القصة. فقد كان شريكًا رئيسيًا في إدارة المرحلة الانتقالية، ثم جاء انقلاب 25 أكتوبر 2021م ليقطع الطريق على المسار المدني ويعيد مركز الثقل السياسي إلى المؤسسة العسكرية. وكان إصلاح القطاع الأمني والعسكري ودمج القوات المسلحة والدعم السريع، من أعقد قضايا الانتقال التي لم تُحسم قبل اندلاع الحرب.

لهذا فإن مسؤولية الجيش عن الحرب لا تعني مساواته بالدعم السريع في كل جريمة ارتكبت أثناءها، لكنها تعني تذكّر موقعه في صناعة البيئة التي انفجرت فيها الحرب. كما أن محاربة الدعم السريع لا تعفي قيادة الجيش من السؤال: ماذا تفعل بالدولة وهي تخوض الحرب باسمها؟

وهنا تكمن المفارقة التي ينبغي ألا تضيع وسط الاحتفال بالانتصارات العسكرية. إذا كانت إحدى خطايا ما قبل 15 أبريل هي تغييب الدولة، وإضعاف الانتقال، وتغليب القوة على القانون والسياسة، فإن تكرار تغييب الدولة بحجة الحرب لا يمكن أن يكون طريقًا آمنًا إلى الدولة.

وقد يكون أخطر ما في الحرب أنها تمنح السلطة المسلحة عذرًا يبدو منطقيًا في البداية: لا وقت للسياسة ونحن نقاتل. ثم يصبح هذا الاستثناء أسلوبًا للحكم، ويصبح القانون مؤجلًا، والمساءلة مؤجلة، والسياسة مؤجلة، إلى أن يصبح انتهاء الحرب نفسه مهددًا لمصالح الذين أداروا البلاد بمنطق الحرب.

ومن هنا تأتي أهمية دعوة قائد الجيش إلى الحوار السوداني الداخلي. فقد أعلن البرهان في أغسطس ضمانات قانونية وسياسية وأمنية للمشاركين، وتحدث عن آلية وطنية مستقلة، ثم تعهد في سبتمبر بتنفيذ مخرجات الحوار التي تخدم مصلحة الشعب.

هذه الدعوة ينبغي ألا تُرفض لمجرد صدورها عن قائد الجيش، كما لا ينبغي أن تُقبل لمجرد أنه أطلقها.

ينبغي اختبارها.

فالخطوة العملية الآن هي أن تتحول دعوة الحوار من خطاب سياسي إلى عملية حقيقية: آلية مستقلة فعلًا، مشاركة لا تختارها السلطة وفق هواها، ضمانات قابلة للتحقق، حرية كاملة في التعبير، وعدم استخدام الحرب أو تهمة الخيانة لإقصاء المعارضين، وأن يكون موضوع الحوار هو الدولة نفسها: شكل السلطة، والعلاقة بين المدني والعسكري، وإصلاح المؤسسة الأمنية والعسكرية، والقانون والعدالة، وكيفية إنهاء الحرب ومنع إنتاج حرب أخرى.

وهنا تحديدًا تستطيع القوى المدنية أن تتخذ موقفًا لا هو موقف الخصم الأعمى للجيش ولا موقف التابع له: ترفض جرائم الدعم السريع بلا مواربة، وترفض في الوقت نفسه استثمار هذه الجرائم لتأسيس تفويض مفتوح للحكم العسكري أو لعودة نظام الإنقاذ؛ ثم تدخل الحوار إن توافرت شروطه، لا لتمنح شرعية مجانية للسلطة، وإنما لتختبر قدرتها على الانتقال من إدارة الحرب إلى بناء الدولة.

فإذا كانت قيادة الجيش تقول إن مشاكل السودان لا تُحل إلا بالحوار السوداني، فليكن الحوار هو الاختبار.

وليس المطلوب أن نصدق الوعد مسبقًا؛ المطلوب أن نضعه أمام امتحان السياسة.

فالجيش يستطيع أن ينتصر في الحرب، لكن الدولة لا تُبنى بالانتصار العسكري وحده. وإذا كانت قيادة الجيش تريد أن تثبت أن حربها من أجل الدولة لا من أجل السلطة، فإن أول برهان على ذلك أن تسمح للدولة بأن تتحدث، وأن تقبل أن يكون الحوار قادرًا على تغيير ما تفعله السلطة نفسها.

هنا يبدأ الخروج الحقيقي من 15 أبريل: ليس بانتصار قوة على قوة، وإنما بإغلاق الطريق الذي جعل ظهور كل قوة مسلحة جديدة أمرًا ممكنًا.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...