د. محمد الواثق عبد الحميد الجريفاوي

 

"أولاد البحر وأولاد الغرب": ثنائية لا تفسر السودان

ولعل أكثر ما يحتاج إلى مراجعة هو التعامل مع ثنائية "أولاد البحر وأولاد الغرب" وكأنها كانت انقسامًا اجتماعيًا وثقافيًا أصيلًا ومستقرًا في بنية السودان. بلا شك أن صراعات جهوية وقبلية وسياسية حقيقية نشأت داخل الدولة المهدية، وأن التنافس على السلطة والنفوذ أسهم في تشكيل مواقف وتحالفات. لكن تحويل ذلك إلى ثنائية ثقافية ثابتة بين "أولاد البحر" و"أولاد الغرب" يختزل واقعًا أكثر تعقيدًا.

فالعبارة، في تقديري، تصف جانبًا من صراع سياسي داخل دولة ناشئة أكثر مما تصلح لتفسير بنية الثقافة السودانية.

والدليل الأهم على محدودية هذه الثنائية هو أم درمان نفسها.

فإذا كان الصراع السياسي قد أنتج، في لحظة من لحظاته، خطاب "أولاد البحر وأولاد الغرب"، فإن أم درمان التي نشأت وتوسعت في قلب ذلك الصراع تحولت إلى فضاء جمع هذه المكونات وغيرها، وأعادت تشكيلها في نموذج اجتماعي وثقافي جديد.

لقد جاءت إلى أم درمان جماعات من مناطق وأصول مختلفة، بعضها من غرب السودان وبعضها من الوسط والشمال، واستقرت فيها مجموعات ذات خلفيات قبلية وثقافية متباينة. وظلت الانتماءات الأولية حاضرة في تنظيم الأحياء والعلاقات الاجتماعية، لكنها بدأت تتفاعل داخل فضاء واحد: السوق، والمسجد، والعمل، والمصاهرة، والجوار، واللغة، والمناسبات الاجتماعية.

وهكذا بدأت تتكون تدريجيًا ثقافة حضرية جامعة.

ومن هنا فإن أم درمان لا يمكن اختزالها في "ثقافة أولاد البحر"، كما لا يمكن اختزالها في "ثقافة أولاد الغرب". لقد أصبحت شيئًا ثالثًا: ثقافة تشكلت من تلاقي هؤلاء وغيرهم.

الهوية لا تُفرض؛ بل تتخلق

قبل الثورة المهدية حاول الحكم التركي المصري إنشاء رابط تنظيمي مركزي يستطيع من خلاله إدارة السودان، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في خلق رابط ثقافي جامع يستوعب هذا التنوع الهائل.

ثم جاءت المهدية وحاولت، من خلال الدعوة وكاريزما الإمام المهدي، خلق رابط سياسي جديد يقوم على مركزية القيادة ووحدة المشروع. غير أن تعقيدات الدولة أعادت إنتاج بعض الروابط الجهوية والقبلية.

ثم جاء الاستعمار، فاشتغل على الطائفة باعتبارها مركزًا دينيًا، وعلى القبيلة باعتبارها ثقلًا اجتماعيًا وسياسيًا، بينما ظل الرابط الثقافي الجامع في طور التخلق.

وفطن الخريجون والمثقفون إلى هذه الإشكالية مبكرًا، فظهرت الجمعيات الأدبية ومؤتمر الخريجين، ثم قامت الأحزاب السياسية على قواعد اجتماعية وطائفية، بينما ظل البحث عن رابط ثقافي جامع يتطلب مسارًا آخر أكثر التصاقًا بالحياة اليومية للناس.

وهنا لعبت المدن دورًا مهمًا،

فالثقافة، في أبسط معانيها، هي تفاصيل الممارسة اليومية للحياة. وفي بلد متعدد الأعراق والجهات، لا يمكن أن يعيش الناس إلى الأبد داخل جزر ثقافية مغلقة. لا بد من مرجعية مشتركة تتسع لهذه الثقافات، لا تلغيها.

وهذه المرجعية لا تُفرض بالقوة، وإنما تتشكل بالتثاقف المتكافئ والتفاعل الاجتماعي الطبيعي.

التاريخ للفهم لا للإدانة

لهذا أرى أن الإشكال في قراءة المهدية لا يكمن في الاختلاف حولها، وإنما في كيفية الاختلاف حولها.

يمكن نقد الخليفة عبد الله، ويمكن نقد سياساته، ويمكن مساءلة قرارات الدولة المهدية، بل يمكن رفض مشروعها السياسي برمته. لكن كل ذلك ينبغي أن يتم من داخل التاريخ، لا من خارجه.

فالقول إن الخليفة عبد الله أخطأ شيء، والقول إنه ارتكب "جريمة ثقافية" شيء آخر.

الأول حكم تاريخي يمكن بحثه وإثباته ونقاشه؛ أما الثاني فهو توصيف كبير يحتاج إلى تحديد مفهوم "الجريمة الثقافية" أولًا، ثم إثبات عناصرها التاريخية، وإلا تحول المفهوم إلى أداة خطابية أكثر منه نتيجة بحثية.

وفي النهاية، فإن الخطر ليس في أن نختلف حول الخليفة عبد الله، وإنما في أن نختلف حول المنهج الذي نقرأ به تاريخنا.

فبين "أولاد البحر" و"أولاد الغرب"، وبين المركز والهامش، تقف أم درمان شاهدة على حقيقة أكثر عمقًا: أن الثقافة الجامعة لا تُفرض بمرسوم، ولا تُصنع بالقوة، وإنما تتخلق عندما يلتقي الناس ويتداخلون ويتثاقفون ويصنعون معًا حياة يومية مشتركة.

ولعل هذه هي الوظيفة الأهم للتاريخ: ألا يكون محكمة لإدانة الماضي، ولا مخزنًا لشرعنة مواقف الحاضر، وإنما وسيلة لفهم كيف وصلنا إلى ما نحن عليه، وكيف يمكن أن نبني مستقبلًا يتسع لكل السودان.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...