د. محمد الواثق عبد الحميد الجريفاوي

 

أثارتني مداخلة الإعلامي والباحث غسان عثمان، (مثلي مثل الكثيرين) خلال استضافته في برنامج "في الصورة"، ولم يكن ذلك بسبب ما حملته المداخلة من رأي مخالف، فاختلاف الرأي أمر مشروع، وإنما بسبب الطريقة التي جرى بها بناء ذلك الرأي، وما بدا فيها من "انتقائية" في استدعاء الوقائع، "وتفاوت" في المعايير المستخدمة لقراءة الشخصيات والأحداث التاريخية، ولا سيما تخريجته بشأن الخليفة عبد الله ود تورشين، وما وصفه بـ"الجريمة الثقافية" على أساس من وهم جدلية أولاد البحر وأولاد الغرب.

ولأن المقطع المتداول من الحوار كان مقتصًا من سياقه، حرصت على العودة إلى الحلقة كاملة، حتى أتمكن من فهم الإطار العام الذي جاءت فيه هذه الإفادة. وبالاستماع إلى مجمل الحوار، بدا لي أن الحديث عن الخليفة عبد الله لم يكن عبارة عابرة، وإنما جاء في سياق رؤية الباحث غسان الخاصة به للتاريخ السوداني، والتي تنطلق من مقدمات فكرية محددة، وتحاول تفسير الحاضر من خلال قراءة خاصة للماضي.

وهنا، في تقديري، تبدأ المسألة الحقيقية. فالإشكال ليس في أن تكون للباحث رؤية مختلفة تجاه الخليفة عبد الله أو الدولة المهدية؛ فهذا حق أصيل، بل إن اختلاف القراءات هو الذي يثري التاريخ ويمنحه قابلية مستمرة لإعادة الفهم. وإنما الإشكال في المنهج الذي تُنتقى به الوقائع، والمعايير التي تُستخدم في الحكم عليها، ثم النتائج التي تُبنى على تلك الانتقائية.

حين يصبح التاريخ شاهدًا على الرأي

ما لفت نظري في الحوار أن بعض الشخصيات والقضايا التاريخية قُرئت بأدوات "سياقية"، بينما بدا أن المهدية والخليفة عبد الله قُرئا في ضوء معايير "معاصرة"، وكأن النتيجة المراد الوصول إليها كانت "حاضرة" قبل قراءة الوقائع نفسها.

فعندما تناول غسان الزبير باشا، حاول تفسير مواقفه ضمن ظروف عصره، كما استند في حديثه عن علاقة السودان بمصر إلى معطيات المرحلة التاريخية التي كانت تحكم تلك العلاقة. وهذا من حيث المنهج أمر محمود؛ لأن الشخصية التاريخية لا يمكن فصلها عن زمانها ومجتمعها والبيئة السياسية التي تحركت فيها. لكن المفارقة أن هذا المنهج السياقي بدا أقل حضورًا عندما انتقل الحديث إلى الخليفة عبد الله والمهدية.

وهنا يبرز السؤال: هل نستخدم السياق لفهم التاريخ، أم نستخدم بعض وقائع التاريخ لإثبات رؤية مسبقة عنه؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في قراءة التاريخ هو أن نختار من الوقائع ما يؤيد النتيجة التي نريدها، ثم نعيد تفسير الوقائع الأخرى في ضوئها. عندها لا يعود التاريخ مجالًا للبحث، وإنما يصبح شاهدًا على رأي سابق عليه.

لا نحاكم الماضي بأدوات الحاضر

من المبادئ الأساسية في قراءة التاريخ ألا نسقط معايير الواقع على الماضي. وليس المقصود بذلك تبرئة الماضي من أخطائه أو منع النقد الأخلاقي والسياسي له، وإنما المقصود أن نفهم الفعل التاريخي أولًا ضمن ظروفه ومعطياته ومفاهيم عصره.

فلا يمكن أن نأخذ حادثة وقعت في القرن التاسع عشر، ثم نعيد تركيبها بمفاهيم سياسية وثقافية نشأت بعد ذلك بعقود، ثم نحاكم أصحابها وكأنهم كانوا يتحركون داخل عالمنا الفكري الحالي.

نحن لا نستطيع تغيير حوادث التاريخ، ولكننا نملك كل الحق في إعادة قراءتها؛ لا لإعادة إنتاجها، وإنما لفهم واقعنا واستشراف مستقبلنا.

وهنا تبرز أهمية المنهج الذي تجاوز به ابن خلدون مجرد تسجيل الوقائع إلى البحث في باطن التاريخ؛ أي في أسباب الحوادث ومسبباتها، والعوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والجغرافية والنفسية التي أحاطت بها.

فالحادثة التاريخية لا يصنعها فرد واحد، حتى وإن كان ذلك الفرد قائدًا استثنائيًا. وإنما تتفاعل فيها بنية المجتمع، والقبيلة، والاقتصاد، والجغرافيا، والثقافة، والصراع على السلطة، والتهديد الخارجي، وشخصية الفاعلين أنفسهم.

الخليفة عبد الله: تجربة سياسية لا "جريمة ثقافية"

من هنا أجد ضرورة للفصل بين مرحلة الدعوة المهدية ومرحلة الدولة المهدية.

وأنا من دعاة هذا الفصل، ولكن ليس بالمعنى الذي يجعل الإمام المهدي مسؤولًا عن موازنات وإجراءات دولة لم يكن موجودًا على مسرحها، ولا بالمعنى الذي يجعل الخليفة عبد الله مسؤولًا عن كل ما وقع في التجربة المهدية منذ بدايتها.

الإمام المهدي أسس الدعوة وقاد الثورة، لكنه توفي قبل أن يدير الدولة المهدية بكل تعقيداتها. أما الخليفة عبد الله فقد وجد نفسه أمام دولة قائمة: "جيش، وإدارة، وحدود، وأعداء، وصراعات داخلية، وتوازنات قبلية وجهوية، ومجتمع متعدد المصالح والانتماءات". ومن ثم فإن الخليفة عبد الله ينبغي أن يُقرأ باعتباره تجربة سياسية في ظرف تاريخي استثنائي.

وهذا لا يعني تبرئة التجربة من أخطائها. فقد شهدت الدولة المهدية سياسات وقرارات وصراعات يمكن نقدها بصرامة، وبعضها كان له ثمن إنساني واجتماعي كبير. لكن الانتقال من نقد هذه السياسات إلى وصفها بأنها "جريمة ثقافية" يحتاج إلى دليل على وجود مشروع ثقافي متعمد استهدف تفكيك هوية السودان أو تدمير رابط ثقافي جامع.

وهذا، في تقديري، يحتاج إلى إثبات تاريخي أكثر مما يحتاج إلى توصيف معاصر.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...