مهدي داود الخليفة
أثارت الأنباء المتداولة خلال الأيام الماضية حول مصير المصباح أبو زيد طلحة، قائد كتيبة البراء بن مالك، حالة واسعة من الجدل داخل الأوساط السودانية، بعد تضارب الروايات بشأن ما إذا كان قد تعرض للاعتقال في رواندا أم أنه غادر البلاد بصورة طبيعية عقب أحداث وقعت داخل أحد معسكرات اللاجئين السودانيين أدت إلى تدخل الشرطة الرواندية عقب مشادة بينه وبين عدد من اللاجئين السودانيين داخل أحد المعسكرات، انتهت بإخراجه من الموقع.
لكن القضية الحقيقية لا تكمن في ما إذا كان قد اعتُقل أم لا، بل في السؤال الأهم: ما الذي كان يفعله قائد تشكيل عسكري عقائدي داخل معسكر للاجئين السودانيين.
بحسب ما تردد من معلومات، لم تكن الزيارة فردية، إذ رافقه أشخاص قيل إن بينهم مسؤولين أو موظفين مرتبطين بالسفارة السودانية، حيث جرت مخاطبات تناولت الحرب الدائرة في السودان وقضايا مرتبطة بالتعبئة والتجنيد والدعم الشعبي للمجهود الحربي. وهنا تبرز أسئلة مشروعة: هل تمت الزيارة بتنسيق رسمي مع السفارة؟ وهل كان السفير السوداني على علم بطبيعة النشاط الذي جرى؟ وما الهدف من مخاطبة اللاجئين بشأن الحرب والتجنيد؟
إن وجود ممثلين للسفارة إلى جانب قائد كتيبة مسلحة يجعل من الصعب اعتبار الزيارة تحركًا شخصيًا، بل يثير تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين بعض المؤسسات الرسمية وهذه التشكيلات المسلحة. كما أن غياب أي توضيح رسمي من وزارة الخارجية يزيد من حالة الغموض.
وتزداد أهمية هذه الأسئلة إذا أخذنا في الاعتبار أن معسكرات اللاجئين تخضع لحماية القانون الدولي والاتفاقيات المنظمة لعمل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، والتي تحظر استغلال اللاجئين في عمليات التجنيد أو التعبئة لصالح أطراف النزاعات المسلحة. ولهذا فإن مجرد طرح قضايا ذات طابع عسكري داخل معسكر للاجئين يثير مخاوف قانونية وأخلاقية حقيقية.
ويبدو أن هذه الحساسية كانت أحد أسباب التوتر الذي أدى إلى المشادة مع بعض اللاجئين، وانتهى بتدخل السلطات الرواندية حفاظًا على الأمن داخل المعسكر.
السؤال الآخر يتعلق بصفة المصباح أبو زيد أثناء هذه الزيارة. فليست المشكلة في كيفية دخوله إلى رواندا، إذ يستطيع السودانيون الحصول على تأشيرة دخول عند الوصول، وإنما في طبيعة المهمة التي كان يؤديها. فهل كان يتحرك بصفة شخصية أم بغطاء رسمي أو شبه رسمي؟
هذه الحادثة لا تبدو معزولة عن سياق أوسع شهد خلال الفترة الماضية نشاطًا متزايدًا داخل تجمعات اللاجئين السودانيين في عدد من الدول تحت عناوين مختلفة، من بينها العودة الطوعية أو دعم المجهود الحربي أو التعبئة الوطنية. إلا أن كثيرًا من اللاجئين ينظرون إلى هذه الأنشطة بعين الريبة، خاصة أن الظروف داخل السودان ما زالت بعيدة عن توفير الحد الأدنى من شروط العودة الآمنة والكريمة.
وتأتي زيارة رواندا في وقت يواصل فيه المصباح أبو زيد الترويج لتوسيع كتائب البراء بن مالك من كتيبة إلى لواء ثم إلى فيلق، مع أحاديث متكررة عن تجنيد أعداد كبيرة من المقاتلين. كما بدأت تقارير إعلامية وحقوقية تتعامل مع الكتيبة بوصفها فاعلًا عسكريًا مستقلًا، وليس مجرد مجموعة متطوعين تقاتل إلى جانب القوات المسلحة.
ويزداد القلق مع استمرار الحديث عن عمليات تجنيد واسعة، واستقطاب الشباب بخطاب تعبوي ذي طابع عقائدي، ووجود شبكات دعم وتمويل تتجاوز الحدود الوطنية. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل نحن أمام قوة مساندة للجيش، أم أمام مشروع جيش موازٍ يمتلك قيادته وتنظيمه وأجندته الخاصة؟
لقد أثبتت التجربة السودانية أن تعدد مراكز القوة المسلحة داخل الدولة لا يقود إلا إلى مزيد من الصراعات والانقسامات. فكل قوة تنشأ خارج الإطار المؤسسي للدولة تتحول مع مرور الوقت إلى لاعب سياسي وعسكري مستقل يسعى إلى حماية مصالحه الخاصة.
لذلك فإن أي تحركات خارجية لقادة هذه التشكيلات المسلحة لا يمكن النظر إليها باعتبارها تحركات شخصية، بل باعتبارها جزءاً من نشاط تنظيم يكتسب نفوذًا متزايدًا ويثير اهتمام دوائر المتابعة الإقليمية والدولية.
حتى الآن لا يعرف الرأي العام السوداني على وجه اليقين ما إذا كان المصباح أبو زيد قد اعتُقل في رواندا أم لا، وما إذا كان قد أُطلق سراحه أو غادر البلاد بصورة طبيعية. وتبقى الحقيقة رهينة ما قد تكشفه الأيام القادمة من معلومات موثقة وبيانات رسمية.
لكن المؤكد أن الجدل حول الاعتقال أو عدمه لا ينبغي أن يحجب الأسئلة الأعمق التي فجرتها الحادثة: لماذا تمت الزيارة؟ ومن نسق لها؟ وما الرسائل التي حملتها؟ وما حدود العلاقة بين التشكيلات المسلحة والمؤسسات الرسمية؟
إن الإجابة على هذه الأسئلة أصبحت ضرورة لفهم طبيعة التحولات الجارية في السودان، ولتحديد ما إذا كانت البلاد تتجه نحو إعادة بناء مؤسسات الدولة، أم نحو واقع تتعدد فيه مراكز القوة وتتداخل فيه الأدوار بين العمل العسكري والسياسي والدبلوماسي.
ويبقى السؤال الأكبر: كيف وصل السودان إلى مرحلة يصبح فيها قادة التشكيلات المسلحة أكثر حضورًا وتأثيرًا من مؤسسات الدولة نفسها؟
إن الدولة الحديثة تقوم على احتكار القوة المسلحة داخل مؤسساتها الشرعية، أما عندما تتعدد مراكز القوة وتتداخل الأدوار بين العسكري والسياسي والدبلوماسي، فإن المخاطر لا تهدد مستقبل الدولة وحدها، بل تهدد أيضًا فرص السلام والاستقرار وإعادة بناء السودان بعد الحرب.




التعليقات (0)
جاري التحميل...