حتى لا ننسى...

د. منى الفاضل

manoiaalfadil18@gmail.com

الحياد هو الوقوف في منطقة وسط أو عدم الانحياز لأيٍّ من طرفي النزاع أو الخلاف، إن كان على المستوى الخاص أو العام.

في بلادنا، تعوَّد الكثيرون -ممن يمتهنون السياسة- أن يقفوا في منطقة الوسط (المنطقة الرَّمادية) التي لا تليق بجهة أو شخص يعتبر نفسه من الذين يحملون -كما يقولون- همَّ الوطن والمواطن! فالحياد هنا ليس مكانه. لأن الحياد يوحي أو يعني عدم امتلاك صاحب الموقف الكثير من الحقائق؛ لذلك يصعُب عليه الوقوف إلى أيٍّ من الجانبين، فهو كالتائه الذي لا يعلم إلى أين يتجه.

كيف لمن ينتسبون للعمل السياسي أن يكونوا في موقف الحياد، ذلك أمر غير طبيعي؛ فكيف تدّعون مصلحة الوطن وأنتم لا تعلمون الحقائق؟ إذاً، الوقوف في الوسط هُنا إما لمصلحة خاصة بالجهة التي ينتمون إليها أو مصلحة شخصية؛ وفي الحالين ذلك لا يُحسب ذكاء لصاحبه وإنما جُبنًا و(مراوغة) سياسية يضيع بسببها الوطن والشعب، وهذه نُقطة سيحسبها الشعب عليكم! فمن لا يستطيع أن يُقرر في الأمور المفصلية، والجوهرية، والمصيرية، فعليه أن يبتعد تمامًا ويفسح المجال للشُجعان الذين يعلمون أين الحقيقة ويقفون معها. فالضمير هُنا ليس للبيع. فالأخلاق لا يُمكن تجزئتها، إذا لم تمتلك أخلاقًا حقًا لا يجب أن تُجزئ الأشياء، فالأمر واضح وتغبيشه لعب على المصالح الخاصة عبر واجهة تُسمى الوطن وشعبه المكلُوم .

ومثل هؤلاء المُحايدين لا يحتملون سماع رأي آخر واضح وصريح تجاه جانب الحق -إن لم يكن كل الحق-، بل حتى في المواقف التي تصُب حقًا في صالح الوطن والشعب، يرون فيهم الانحياز، ولا يترُكون مساحة للرأي الآخر فهو يستفز مواقفهم الرمادية.

هُناك كثيرون لا يقفون مع أيٍّ من طرفي الصراع؛ ويرفضون الصراع نفسه أو يرون أن السبب فيه طرف دون الآخر، ويعلمون تلك الحقيقة! مثلًا الحرب، يرفضها الكثيرون مع علمهم مَنْ المُتسبب فيها وبالدلائل والوقائع، وبكل تأكيد إن الحق مع طرف منهما فتلك حقيقة لماذا ينكُرها مَنْ يرى ذلك بأم عينيه، إلا أن رفضهم نابع من عدم معالجة المُشكلات بالعنف لأن العنف والحرب ليسا للعلاج ولكنهما للدمار؛ فكيف يتم تصنيف هؤلاء بأنهم ينتمون لطرف ضد الآخر؛ وهل اتفاق مجموعة على السلام ورفض العنف والحرب يُعتبر انحيازًا؟ تلك مُشكلة مَنْ يقف في الحياد وهو يعلم ويصمت ويتفرج!!

نعم، الرأي حقٌ مشروع، إلا في القضايا المصيرية التي تتعلّق بالوطن وأرواح الأبرياء. إن الوقوف في منطقة الحياد، وسط كل ما نراه من عذاب ودمار، هو سقوط أخلاقي وانعدام تام للضمير والإنسانية. فتبّاً لكل من تخلّى عن وطنه، وأدار ظهره ليحمي مصالحه الشخصية.

ودُمُتُم ....

 

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...