عامر علي الحاج
لا يمكن فهم أزمة الدولة السودانية باعتبارها مجرد إخفاق في إدارة السلطة، أو نتيجة لتعاقب أنظمة عسكرية وأحزاب سياسية فاشلة. فالأزمة أعمق من ذلك، وتتصل بطبيعة العلاقة التي تشكلت تاريخيًا بين الدولة والمجتمع، وبعجز القوى السياسية عن بناء مؤسسات اجتماعية مستقلة تستطيع تنظيم المصالح، وإنتاج الشرعية، والوساطة بين المواطنين والسلطة. وفي هذا السياق، تقدم تجربة الحركة الإسلامية السودانية نموذجًا كاشفًا، لا لأنها أنشأت هذه الأزمة من الصفر، بل لأنها ورثت بعض تناقضاتها ثم دفعتها إلى أقصى مداها.
كان المجتمع السوداني يمتلك، قبل صعود الحركة الإسلامية إلى السلطة، وسائط متعددة لتنظيم الحياة العامة، من الطرق الصوفية والأنصار والختمية إلى الإدارة الأهلية والنقابات والاتحادات المهنية. لم تكن هذه المؤسسات مستقلة تمامًا عن الدولة، ولا خالية من التراتبيات والمصالح، لكنها احتفظت بمصادر للشرعية والنفوذ لا تختزل في السلطة المركزية. وكانت هذه الوسائط، على ما اعتراها من ضعف وتفاوت، جزءًا من البنية التي يتفاوض المجتمع من خلالها مع الدولة.
لم يكن دخول الحركة الإسلامية إلى هذا المجال مجرد إضافة تنظيم سياسي جديد. فقد بنت منذ السبعينيات شبكات واسعة من المصارف الإسلامية والمنظمات الدعوية والخيرية، وتمددت في الجامعات والنقابات والقطاعات المهنية. غير أن السؤال الحاسم ليس حجم هذا التمدد، بل طبيعة المؤسسات التي أنتجها: هل كانت مراكز اجتماعية تكتسب شرعيتها من استقلالها وقدرتها على التعبير عن مصالح أعضائها، أم أدوات لتوسيع نفوذ التنظيم وإعداده للاستيلاء على الدولة؟
لا يصح اختزال هذه التجربة في أن كل مؤسسة أنشأتها الحركة كانت واجهة حزبية؛ فقد أنتجت شبكات اجتماعية واقتصادية حقيقية. لكن المشكلة ظهرت في العلاقة بين التنظيم ومؤسساته، وفي مدى استعداده للاعتراف بحقها في الاستقلال عنه. فالتنظيم الذي ينشئ مؤسسة لخدمة مشروعه قد يقبل بوجودها ما دامت تعزز نفوذه، لكنه يواجه اختبارًا مختلفًا حين تصبح للمؤسسة مصالح وشرعية ومواقف لا تتطابق بالضرورة مع مصالح القيادة السياسية.
جاء انقلاب يونيو 1989م ليحسم هذا التوتر لمصلحة السيطرة على الدولة. فقد انتقلت الحركة من التنافس على المجتمع إلى امتلاك أدوات السلطة وإعادة تشكيل المجال العام بواسطتها. وأصبحت الدولة، بما لديها من موارد وأجهزة إدارية وأمنية وقدرة على التعيين والإقصاء، الوسيط الأهم في توزيع الفرص والامتيازات وتنظيم الولاءات. وتراجعت، تبعًا لذلك، مساحة الاستقلال التي تحتاج إليها المؤسسات الاجتماعية كي تؤدي دورها الرقابي والتفاوضي في مواجهة السلطة.
لم يكن هذا التحول منفصلًا عن تاريخ السودان السابق؛ فمركزية الدولة وضعف المؤسسات التمثيلية وتسييس الإدارة سبقت حكم الإنقاذ. لكن تجربة الإسلاميين أضافت إليها مشروعًا منظمًا لإخضاع المجتمع لمنطق التمكين، فأضعفت النقابات المستقلة، وأعادت تشكيل مؤسسات مهنية واجتماعية، ووسعت تداخل التنظيم السياسي مع أجهزة الدولة ومواردها. وهكذا لم تعد المشكلة في استبداد السلطة وحده، بل في تضاؤل المساحات الاجتماعية القادرة على مقاومته أو التفاوض معه.
تساعد المقارنة مع تجارب إسلامية أخرى، مثل نهضة العلماء والمحمدية في إندونيسيا، على إدراك أن الانتماء الإسلامي لا يقتضي بالضرورة إخضاع المؤسسات الاجتماعية لحزب أو حكومة. فقد استطاعت هذه المؤسسات الاحتفاظ بمساحات من الاستقلال التنظيمي والاجتماعي، وإن ظلت علاقتها بالدولة والسياسة خاضعة لتحديات مستمرة. والفارق هنا ليس في العقيدة، بل في بنية المؤسسة، ومصادر تمويلها وشرعيتها، وحدود سلطة التنظيم السياسي عليها.
من هنا تتصل تجربة الحركة الإسلامية بجذر أوسع من جذور الأزمة السودانية: عجز السياسة عن بناء مجتمع منظم ومستقل، وميل القوى المتنافسة إلى التعامل مع الدولة باعتبارها الغنيمة التي تحسم الصراع، لا مؤسسة عامة ينبغي إخضاعها لقواعد متفق عليها. وحين تصبح السيطرة على الدولة بديلًا عن بناء المجتمع، تتراجع قدرة المواطنين على تنظيم مصالحهم خارج استقطاب السلطة، وتغدو كل أزمة سياسية تهديدًا لوجود الجماعات ومصالحها، لا خلافًا يمكن إدارته داخل نظام عام مشترك.
لذلك، فإن تجاوز الأزمة لا يتحقق بمجرد إبعاد الحركة الإسلامية أو استبدال نخبة بأخرى، ولا بمجرد إنشاء منظمات وجمعيات جديدة. المطلوب إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع، بحيث تستعيد النقابات والاتحادات والمؤسسات الدينية والأهلية والمدنية استقلالها، وتصبح قادرة على مساءلة أية سلطة، بما فيها السلطة التي تتفق معها سياسيًا. فالمجتمع الذي لا يمتلك وسائط مستقلة يظل مكشوفًا أمام الدولة، والدولة التي لا يقيّدها مجتمع منظم تظل قابلة لإعادة إنتاج الاستبداد، مهما اختلفت الشعارات التي ترفعها القوى الصاعدة إلى الحكم.




التعليقات (0)
جاري التحميل...