طاهر المعتصم

 

لم تعد المشكلة في السودان هي غياب الدعوات إلى الحوار؛ فقد امتلأت السنوات الماضية بالمبادرات والبيانات، بينما كانت الحرب تتسع، والدولة تتآكل، والمجتمع يدفع الثمن. لذلك، فإن دعوة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى الحوار لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها حدثاً سياسياً منفصلاً.

السؤال الحقيقي ليس: من يجلس إلى طاولة الحوار؟ وإنما: ماذا يريد هذا الحوار أن يفعل، ولماذا يأتي الآن، بينما قطعت الآلية الخماسية الدولية والإقليمية أشواطاً في بلورة مسار سياسي؟ هل نحن أمام مسار جديد يكمّل الجهود القائمة، أم أمام محاولة لإعادة ترتيب الملعب السياسي من نقطة مختلفة؟

إذا كان المطلوب حواراً لتثبيت موازين القوة التي صنعتها الحرب، أو لإعادة توزيع النفوذ بين القوى السياسية والعسكرية، فلن نكون أمام تسوية، وإنما أمام إعادة إنتاج للأزمة بوسائل سياسية. أما إذا كان المقصود فتح الطريق أمام تسوية سودانية حقيقية، فإن أول شروطها أن يكون الحوار مستقلاً عن منطق الغلبة، وأوسع من الاصطفافات التي صنعتها الحرب.

لا يمكن أن تكون السياسة مجرد امتداد آخر للمعركة العسكرية، ولا يمكن أن يتحول الحوار إلى وسيلة لقطع الطريق أمام مسارات قائمة أو إغراق الساحة بمبادرات متنافسة. فالمثل السوداني يقول: "جاء يساعده في دفن أبوه، دسّ المحافير". وحين تتعدد المبادرات بلا تنسيق، وتتزاحم المسارات بدلاً من أن تتكامل، يصبح الخطر أن يتحول البحث عن الحل إلى جزء من أزمة الحل.

في تقديري، السؤال الأكثر إلحاحاً ليس ما إذا كان السودان يحتاج إلى الحوار؛ فهو يحتاجه بلا شك، وإنما لماذا تأتي هذه الدعوة في هذا التوقيت، وهل ستقود إلى توحيد مسارات الحل أم إلى تشتيتها؟ إن محاولات قطع الطريق على الحلول، وإغراق الساحة بمسارات ومبادرات متوازية، لن تصنع انفراجة في الأزمة، ولن تنقذ ملايين السودانيين الذين شردتهم الحرب، ولن تجنّب البلاد أخطر الاحتمالات، بما فيها سيناريو "أرض الصومال". السودان لا يحتمل مزيداً من إدارة الأزمة؛ ما يحتاجه هو شجاعة سياسية لإنهائها، قبل أن يصبح تقسيم الأمر الواقع بديلاً عن الدولة.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...