عامر علي الحاج

 

من السهل أن نؤيد الحوار في السودان، ومن الصعب أن نختلف مع كلمة تبدو في ذاتها جميلة وضرورية. لكن المشكلة ليست في الحوار، وإنما في السؤال الذي يسبق الدعوة إليه: أي حوار نريد، ولأي غرض، وبين مَنْ؟

فالحديث عن الحوار المطروح اليوم يأتي بينما الحرب لم تنته، وموازين القوة العسكرية لم تستقر، واحتمال اتساعها أو انقلاب ميزانها قائم في كل لحظة. وفي مثل هذه الظروف يصبح من الصعب أن نتعامل مع الحوار باعتباره عملية سياسية عادية تبحث في مستقبل البلاد. الطرف الذي يجلس إلى الطاولة لن ينسى الميدان خلف ظهره، ولن يستطيع أن يعرف إن كان ما يقدمه اليوم سيظل صالحًا غدًا إذا تغيرت الخريطة العسكرية.

ثم إننا، في الحقيقة، لا نفتقر إلى الحوار بالمعنى الذي يُستخدم به المصطلح عادة. مختلف الرؤى السياسية في المجال العام معلنة، والمواقف معروفة، والمطالب منشورة، والتعليق على الحرب وتطوراتها يحدث كل يوم أمام السودانيين. لا أحد يحتاج إلى اجتماع مغلق كي يعرف ماذا تريد هذه القوة أو ماذا يرفض ذلك التيار.

ما نحتاجه عندما نجتمع هو شيء أكثر صعوبة: التفاوض.

الحوار يشرح المواقف ويكشف الاختلافات، أما التفاوض فيبحث عن الممكن المشترك، وعن التنازلات المتبادلة والضمانات التي تجعل الاتفاق قابلًا للحياة. والسودان الآن لا يحتاج إلى مزيد من اكتشاف مواقف القوى السياسية، وإنما يحتاج إلى تسوية توقف الحرب وتعيد تأسيس الدولة على قواعد لا تجعل السلاح طريقًا إلى السلطة.

لكن الدعوة المطروحة تبدو منذ بدايتها محكومة بمشكلة أخرى. فقد حدد البرهان غاية الحوار في تشكيل مجلس تشريعي باعتباره جزءًا من "إكمال أجهزة السلطة القائمة". وهنا ينكشف التناقض: إذا كانت السلطة القائمة هي نقطة البداية، وكان المطلوب إكمال أجهزتها، فما الذي بقي للحوار كي يقرره؟ هل نجتمع لنبحث شكل الدولة بعد الحرب، أم نجتمع لإضافة بعض القوى إلى سلطة تشكلت بالفعل؟

يزداد الأمر تعقيدًا مع تعريف مَنْ يحق له المشاركة. فالاستبعاد، وفق خطاب البرهان، لا يقتصر على قيادة الدعم السريع، بل يشمل مَنْ "وقف خلفها أو معها". وهذه عبارة يمكن أن تمتد إلى طيف واسع من المعارضة السياسية التي عارضت السلطة قبل الحرب وبعد انقلاب 25 أكتوبر. ثم تأتي الحصانات والعفو لمن يأتي إلى الداخل، وكأن المشاركة في الحوار تحتاج أولًا إلى أمان تمنحه السلطة نفسها.

وهنا لا يمكن تجاهل تاريخ نقض العهود. تجربة السودانيين تقول إن الاتفاق بين الجيش والقوى المسلحة قد يصبح، في لحظة لاحقة، أسبق من كل اتفاق مع المدنيين. اتفاق 17 أغسطس 2019؛ لم يصمد أمام ترتيبات جديدة أعادت تنظيم العلاقة بين العسكريين والمدنيين، ثم جاء اتفاق جوبا 2020 ليؤكد مرة أخرى أن التفاهمات بين العسكريين والمسلحين يمكن أن تعيد رسم السلطة على حساب الترتيبات المدنية السابقة.

وهذا ليس تاريخًا بعيدًا. فحتى بعد 15 أبريل 2023، استقبلت السلطة أعدادًا من عناصر الدعم السريع وقدمت لبعضهم ما لم تقدمه لكثير من الذين ظلوا معها منذ بداية الحرب. وهذا وحده يكفي كي نسأل: ماذا سيحدث إذا انتهى الأمر إلى تفاوض مباشر جديد بين الجيش وقيادة الدعم السريع؟ وهل يمكن أن يعاد إنتاج السيناريو نفسه، فيصبح الاتفاق مع القوة المسلحة هو الذي يحدد مستقبل السلطة، ثم تُترك القوى المدنية لتلحق به؟

المشكلة إذن ليست أن البرهان دعا إلى الحوار. المشكلة أن الحوار قد يتحول إلى غطاء سياسي لتثبيت سلطة الحرب، أو إلى محطة مؤقتة قبل تفاوض آخر بين أصحاب السلاح.

أما أخطر ما يمكن أن يحدث فهو أن تتحول الحرب إلى وسيلة لتوزيع السلطة: مَنْ وقف مع الجيش يحصل على نصيب من الدولة، ومَنْ وقف مع خصمه يُقصى أو يُحاسب سياسيًا، ثم يجلس الطرفان المسلحان لاحقًا للتفاوض على ما تبقى.

بهذه الطريقة لن تكون الحرب قد انتهت، بل تكون قد انتقلت من الميدان إلى الطاولة.

نحن لا نحتاج إلى حوار يكتشف لنا مَنْ مع مَنْ. كل ذلك معلوم ومعلن. نحتاج إلى تفاوض حقيقي ينهي الحرب، ويضع ضمانات لا يستطيع أي طرف أن ينقضها عندما يتغير ميزان القوى، ويعيد الجيش إلى الدولة لا إلى السياسة، ويمنع أية قوة مسلحة من تحويل موقعها العسكري إلى حق سياسي دائم.

الحوار الذي لا يملك هذه الشروط قد ينتج مجلسًا تشريعيًا وحكومة جديدة، لكنه لن ينتج دولة جديدة.

والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: مَنْ يدخل الحوار ومَنْ يُمنع؟

بل: كيف نضمن ألا يكون الاتفاق القادم بين أصحاب السلاح هو الذي يلغي، مرة أخرى، كل ما يتفق عليه المدنيون؟

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...