د. عثمان البشرى
انتظمت أروقة الساحة السياسية السودانية كثير من الدعوات لحوار سوداني، وبدأت بالفعل جهات ادّعت ودعت من نفسها التكفل بالوليمة الحوارية، اتبعتها مكرمات بابوية وإعفاءات بعدم ملاحقة المعارضين، وتنكيس المقاصل ريثما تغسل الأيدي عقب الحوار.
نعم، الحوار آلية ديمقراطية مجمع عليها تجمع مختلف الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، للتشاور حول القضايا الوطنية، وتبادل وجهات النظر بشأن كثير من العقبات والقضايا لتحقيق توافق واستقرار سياسي، ودعم الإصلاح وترسيخ مبادئ المشاركة في إدارة الشأن العام.
ويمكن تقسيم الحوار طب قًا للأزمنة المعاشة، إن كان سلمًا أو حربًا، فحوار الأوقات السلمية مفاده أن الدولة تمتلك النضج السياسي والثقة في كلِّ مؤسساتها الحاكمة، ولعل هذا المفهوم هو ما دفع السلطات السودانية إلى تبني والدعوة له، بالرغم من علمها التام أن ما يصلح للسلم لا يصلح للحرب.
إذًا، الدعوة للحوار الآن من شأنها التأكيد على أنه حوار جدلي وتناظري وليس استقصائيًا لمآلات الحال والمستقبل.
إن فريضة الحوار فريضة سياسية لتأكيد وحدة الشعوب وتمتين لُحمتها... الديانات السماوية والأعراف كلها نحت لمعنى الحوار وأهميته.
ولكن حوارنا السوداني جمع الأثافي لإيقاد ناره لتعكير صفوه، ولا بد أن ينظر له من عدة نواح.
فالأثفية الأولى، تؤكد أن العقلية السودانية متخمة بمعاني النزوع إلى التسلط وفرض الرأي والتمسك به وبنتائجه أيًّا كانت ف"نشافة الدماغ" و"ركوب الرأس" من السمات الأساسية للتمسك بالرأي والاعتداد به، والزعم بأن الخطأ لا يأتي من بين يديه. وهذا يلقي بظلال كثيفة على الحوار وما يتمخض عنه، فالكل يعادي الكل، وتنتقل عدوى التوصيفات القبيحة بين الكل "عمالة، خيانة، ارتماء في حضن الأجنبي" وغيرها من الموبقات، حتى الاستماع لبعضهم بعضًا يندرج تحت باب السخرية والبحث عن الثغرات والذلات وبالتالي الكيد.
الأثفية الثانية، ليس رجمًا بالغيب، إنما استنتاج للحال، وهي مواصلة الاحتراب والاقتتال والدعم للآلة العسكرية، وإسكات الأصوات الداعية لإيقافها بشتى الوسائل القانونية الملتوية أو الاغتيال الجسدي أو المعنوي، فليس من المعقول منح المؤسسة العسكرية "جوكر الفتوح" دون مساءلة عن الأسباب التي أدت أولًا لتمكين عصابات الدعم السريع وتقنينها مؤسسيًا، مع معرفة من دفع البلاد والعباد لهذه المحرقة التي لها ما بعدها في تاريخ السودان. معرفة كل الانتهاكات التي تمت إبان الحرب من طرفي الحرب، خصوصًا مآسي الدعم السريع (تقتيله للمواطن، اغتصابه، تشريده... وغيره). المؤسسة العسكرية طبقًا لقانونها لها احترامها وتقديرها ودورها المقدر الذي لا ينكره إلا مكابر في حماية الوطن، قادتها المحسوبون على التيارات السياسية والذين يقودون للمحرقة بحثًا عن تحقيق حلم بالزعامة أو "المَرْيَسة" مسؤولون أمام الوطن والمواطن ومحاسبون متي ما تم إدانتهم، ولعل ما يجري من حشد إعلامي للموالين من الصحافة والإعلام للبرهان لهو مقدمة لعودة صوت وصليل أقلام الدعوة للمعركة أيًّا كانت النتائج السلبية التي تهدد الوطن والمواطن.
الأثفية الثالثة، هي التسرع في الدعوة، قبل إعداد المسرح وتهيئته، طبقًا لرؤية لورنس برلين، فإن السياسة خط متصل في نهاياته تكون السياسة عملية تشاركية تفاعلية، وعلى النقيض ما يسعى إليه أرباب الحوار هو الإخضاع والهيمنة، فالحوارات الوطنية دائمًا ما تنتج بعد الأزمات وبعد الحرب أو الانتقال السياسي، فإيقاف الحرب هي المقدمة على الحوار ، فما قيمة أي تفاهمات أو مخرجات في ظل وطن تتناوشه الأنواء، وما قيمة أي دور مدني في ظل بندقية ترفع في وجه العالم والجاهل. فإيقاف الحرب هو الواجب وهو الدافع للقادة العظماء الذين يحسون بالأم وآمال وتطلعات شعوبهم.
ما نحتاجه الآن، هو السير في مسار إيقاف الحرب توازيًا مع استكشاف إمكانية الحوار وتصميم عملية حوارية مستصحبة حالة إيقاف الحرب بدلًا من إضاعتنا للزمن في حالات "حردان" يومية ترفع شعار "أخاصمك يوم واصالحك يوم".




التعليقات (0)
جاري التحميل...