محمد الأمين عبد النبي
في مقالات سابقة، أكدنا أن الأزمة السودانية لا يمكن إنهاؤها بتسوية ثنائية بين طرفي الحرب، ولا بحسم عسكري يفضي إلى إعادة إنتاج الأزمة؛ فالحرب ليست سوى المظهر الأكثر عنفًا لأزمة أعمق وأشد تعقيدًا، تتداخل فيها عوامل الانقسام السياسي، والتفكك الاجتماعي، والانهيار الاقتصادي، وتعدد الميليشيات، فضلًا عن التشابكات الإقليمية والدولية. وعليه، فإن الخروج من هذه الأزمة يتطلب مقاربة هجينة تقوم على مسارين متلازمين ومتكاملين: مسار سوداني داخلي يعيد بناء التوافق الوطني ويؤسس لعملية سياسية ذات ملكية سودانية، ومسار إقليمي ودولي يعمل على وقف الحرب من خلال تنسيق جهود الوساطة وتوفير الضمانات اللازمة. فلا يمكن لحوار سوداني، مهما اتّسعت قاعدته، أن يتجاهل المصالح والتدخلات العابرة للحدود التي تغذي الأزمة، كما لا يمكن لأي توافق إقليمي أو دولي أن ينتج سلامًا مستدامًا إذا جرى من دون عملية سياسية سودانية تستند إلى معالجة جذور الأزمة، لا إلى إدارة نتائجها.
ظهرت خلال الآونة الأخيرة مبادرات جديدة للحوار، صُممت أغلبها لأداء وظيفة سياسية محددة، لا باعتبارها عملية سياسية شاملة تعالج أسباب الحرب وتعيد بناء الدولة. فهي تسعى إلى إضفاء غطاء مدني يمنح شرعية لسلطة الأمر الواقع، من دون إعادة النظر في طبيعة الأزمة أو مساءلة الجهات المسؤولة عنها. وبالتالي، فإن هذه محاولة لإعادة ترتيب الشرعية حول مركز قوة قائم، عبر استخدام المشاركة المدنية كواجهة تمنح واقعًا أحاديًا مظهرًا توافقيًا. فالحوار الوطني الحقيقي يُقاس باستقلال العملية، ووضوح قواعدها، وعدم تحويلها إلى أداة لإعادة إنتاج شرعية الأمر الواقع أو تغطية اختلالات ميزان القوة.
ومن هنا، فإن تجاوز هذا الخلل يتطلب إعادة النظر في مفهوم المبادرة السياسية نفسها، وفي الشروط التي تجعلها قادرة على إنتاج حلٍّ سياسي شامل، إلى جانب تشخيص دقيق لطبيعة الأزمة ومصادرها ومستوياتها. كما ينبغي أن تُبنى المبادرة على أهداف واضحة ومتدرجة، تبدأ بوقف إطلاق النار وحماية المدنيين وتهيئة البيئة السياسية، وتمتد إلى معالجة جذور الأزمة وإعادة بناء عقد اجتماعي جديد.
وتتطلب المبادرة، قبل إطلاقها، تحديدًا دقيقًا للأطراف المشاركة وفق معايير واضحة وموضوعية تستند إلى التأثير الفعلي. وفي الوقت ذاته، فإن شمول العملية لا يعني تحويلها إلى تجمع مفتوح بلا قواعد أو إلى محاصصة، وإنما ضمان تمثيل حقيقي ومتوازن للقوى السياسية والمدنية والمجتمعية، بما يعكس تعدد السودان وتنوعه. ويُعد استقلال العملية عن أطراف الصراع، والحياد الإجرائي، والملكية السودانية، شروطًا لا غنى عنها لشرعيتها، إلى جانب وجود جهة تيسير موثوقة، وقواعد معلنة لصنع القرار، وأجندة متوافق عليها، وآليات لبناء الثقة وإدارة الخلافات، فضلًا عن ضمانات إقليمية ودولية لتنفيذ الاتفاق ومراقبته.
وتبدأ جدية أية مبادرة سياسية بسلامة منطلقاتها واستقلال الجهة التي تصممها وتديرها. كما أن تحديد الأطراف المشاركة لا ينبغي أن يتم بقرار أحادي أو وفق انتقائية مسبقة، بل عبر معايير واضحة ومشاورات واسعة توازن بين التأثير السياسي والمجتمعي والقدرة الفعلية على الإسهام في إنهاء الحرب وبناء السلام. فالمبادرة الوطنية لا تُقدَّم إلى طرف بعينه، ولا تستمد شرعيتها من الهرولة إلى رئيس سلطة الأمر الواقع طلبًا للموافقة؛ إذ إن أي حوار يبدأ من اصطفاف مسبق، أو يسعى إلى إضفاء غطاء مدني على توجه قائم، يهدد بإفراغ فكرة الحوار من مضمونها، وتقويض الثقة فيه كمدخل حقيقي لمعالجة الأزمة.




التعليقات (0)
جاري التحميل...