لبنى أحمد حسين
في بلد يعجز فيه الناس عن العثور على الخبز والدواء والأمان، يبدو أن هناك من وجد أخيرًا القضية الوطنية الكبرى: شعر الشباب.
ظننا أن الأمواس والمقصات غادرت مع صالونات الحلاقة التي أغلقتها الحرب، فإذا بها تعود، ولكن لا إلى المدن المنكوبة، بل إلى شوارع أم درمان وغيرها من المدن التي يقال إنها "آمنة". غير أن الأمن، كما يبدو، لم يعد يعني أن تمشي مطمئنًا. ففي الأعراس تطلق قذائف الدوشكا تعبيرًا عن الفرح، وفي الشوارع قد يستوقفك أحد أفراد إحدى المليشيات المتحالفة مع الجيش ليقرر، دون أن تطلب منه خدمة، أن الوقت قد حان لتحلق رأسك... صلعة.
ولا أدري من أين جاءت هذه الظاهرة، لكنها ليست جديدة. فقد اشتهرت بها من قبل مجموعات من قوات الدعم السريع، وكأن المقص انتقل من يد إلى أخرى، بينما بقيت الفكرة نفسها: إذلال المدنيين، وإخضاعهم، وإرسال رسالة مفادها أن جسدك نفسه ليس ملكك. ويبدو أن بعض المليشيات، شأنها شأن التلاميذ المجتهدين، تصر على تقليد الدعم السريع في كل شيء... حتى لو حلق شعر الشباب أو دخل في جحر ضب.
الحلاقة، في الأصل، مهنة نبيلة. يمارسها أصحاب ذوق، يستقبلون الزبون بابتسامة، ويسألونه: "كيف تحب القَصة؟'. أما حلاقو الحرب فلا يسألون أحدًا. لديهم قَصة واحدة، وإجابة واحدة، ونتيجة واحدة: الصفر على الماكينة... والصفر في احترام كرامة الإنسان.
ومن المؤسف أن بعضًا ممن حملوا السلاح بحجة محاربة انتهاكات مليشيا الدعم السريع انتهى بهم الأمر إلى استعارة قاموسها، وتقليد أكثر ممارساتها عبثية. وكأن المشكلة لم تكن في الانتهاك نفسه، بل في الجهة التي ترتكبه.
الدول تبنى بالقانون، لا بالمقصات. وهيبة الدولة لا تصنع بإجبار شاب على حلق شعره، بل بحماية حقه في أن يمشي في الطريق دون أن يخاف من بندقية، أو نقطة تفتيش، أو… حلاق يحمل السلاح بيساره وبيمينه موس.
فإذا استمرت الحرب في تخريج هذا النوع من "الحلاقين"، فقد يأتي يوم يحتاج فيه السودان إلى نقابة للحلاقين تدافع عن سمعة المهنة. فعلى الأقل، الحلاق الحقيقي يبدل الموس بين زبون وآخر، أو يعقمه، ولا يحول رؤوس اليتامى إلى وسيلة لتبادل الأمراض، بينما يتعلم في رؤوسهم "الزيانة" بقوة السلاح.
منشن:
مليشيا الحلاقين
نقابة الحلاقين الحقيقية




التعليقات (0)
جاري التحميل...