طاهر المعتصم

بعد الانهيار الكبير في قيمة الجنيه السوداني، تحركت جهات عليا لتوجيه مجلس الوزراء نحو البحث عن حلول للأزمة الاقتصادية المتفاقمة، في ظل الارتفاع المستمر لمعدلات التضخم واتساع دوائر الفقر التي أشار الوزير المختص إلى أنها بلغت نحو 72% من السكان.

حكومة إدريس لجأت إلى الوصفة القديمة ذاتها التي جُرِّبت مرارًا ولم تحقق النتائج المرجوة. فقد قررت الدخول في استيراد المواد البترولية عبر شركات حكومية، وروّجت لهذا التوجه باعتباره حلًّا مثاليًا لمعاناة المواطنين. غير أن السؤال الجوهري يظل قائمًا: من أين ستأتي هذه الشركات بالنقد الأجنبي اللازم للاستيراد؟ فالبنك المركزي نفسه يعاني شحًّا شديدًا في العملات الأجنبية، وأصبح عاجزًا عن التدخل الفاعل في سوق النقد.

وحتى إذا تمكنت تلك الشركات من شراء المحروقات بالآجل وبيعها محليًا لشركات التوزيع، فإنها ستتحصل على قيمتها بالجنيه السوداني، ثم تعود مجددًا إلى السوق الموازي للحصول على العملات الأجنبية اللازمة للسداد وإعادة الاستيراد. وهكذا ندور في الحلقة نفسها التي أوصلت الاقتصاد إلى ما هو عليه اليوم.

وفي الوقت الذي ظلت فيه الحكومة تدعو المواطنين للعودة الطوعية إلى مناطقهم، استجاب آلاف السودانيين لهذه النداءات بعد سنوات من اللجوء والنزوح. ومن الطبيعي أن ترتفع معدلات استهلاك الوقود والكهرباء والخدمات الأساسية، لكن غير الطبيعي أن تتم هذه العودة دون استعدادات كافية أو خطط واضحة لاستيعابها.

البعض ينادي بإقالة كامل إدريس وطاقمه الحكومي. وعلى الرغم من اتفاقي مع كثير من الانتقادات الموجهة لأدائهم، إلا أن تغيير الأشخاص وحده لا يمثل حلًّا للأزمة. فجوهر المشكلة يكمن في استمرار الحرب، وغياب الاستقرار السياسي، وتأخر الوصول إلى سلام عادل وشامل. وفي ظلِّ هذه الأوضاع تصبح الحكومة أقرب إلى إدارة للأزمة منها إلى سلطة قادرة على صناعة الحلول.

الفريق أول عبد الفتاح البرهان، أشار إلى أن جانبًا من هذه الأزمات "بفعل فاعل"، وهي إشارة لا تخلو من وجاهة. فقد واجهت الحكومات السابقة عراقيل مشابهة، كما أن الصراعات داخل مكونات النظام السابق لا تزال تلقي بظلالها على المشهد العام. ويكفي النظر إلى ما جرى داخل منظمة الدعوة الإسلامية، التي أصبحت نموذجًا لحجم الانقسامات والصراعات التي ضربت مؤسسات كانت تُعد موحدة في السابق.

وعندما تقع هذه الصحيفة بين يدي القارئ، ربما تكون الأنظار الدولية قد بدأت تتحول مجددًا نحو السودان باعتباره صاحب أكبر كارثة إنسانية في العالم، بعد أفول شمس الأزمة الإيرانية، كما أن الاجتماعات التي انعقدت في أديس أبابا وأوسلو، وتلك المرتقبة في جنيف قبل نهاية الشهر، قد تمثل فرصة جديدة لدفع عجلة الحوار بين القوى السياسية والمدنية والعسكرية، وصولًا إلى تسوية توقف نزيف البلاد.

المطلوب اليوم ليس تبادل الاتهامات أو البحث عن شماعات جديدة، وإنما توافق وطني يضع مصلحة السودان فوق كل اعتبار. فالحفاظ على وحدة البلاد، وبناء جيش وطني مهني واحد، وترسيخ الأمن والاستقرار، هي الأولويات الحقيقية التي ينبغي أن تتقدم على ما عداها. وحتى يتحقق ذلك، لا يجوز أن يظل المواطن السوداني وحده يدفع فاتورة الأداء الحكومي المهتز، بينما تواصل الأزمات إحكام قبضتها على حياته ومعيشته.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...