عامر علي الحاج

 

حلت ثنائية الجيش والسلطة في السودان، بصورة مدهشة، محل ثنائيتين أكثر أصالة: الدولة والحكومة أولًا، والمجتمع والدولة ثانيًا. والأغرب أن الجيش في الأولى يقوم مقام الدولة، وفي الثانية يقوم مقام المجتمع.

في ثنائية الدولة والحكومة، الدولة هي الثابت والحكومة هي المتغير. لكن أنصار هذا التصور يقولون إن المؤسسة العسكرية السودانية هي وحدها التي تتصف بالشمول والتنظيم والعراقة والوطنية، دون بقية مؤسسات الدولة، من الخدمة المدنية إلى القضاء. ولذلك فإن أي تعارض بين الحكومة و"الدولة" يبيح للجيش التدخل والسيطرة على الحكم، إلى أن "يزول التعارض". وهكذا يصبح الجيش هو الدولة والحكومة معًا.

أما في ثنائية المجتمع والدولة، فتتحول الدولة الحديثة إلى آلة مستوردة من الغرب مع الاستعمار الأوروبي، وتصبح عدوًا للثقافة والمجتمع والعادات والدين. وهنا يظهر الجيش مرة أخرى بوصفه حامي المجتمع من التغريب والتجريف، فيصبح من حقه إزاحة الدولة والاستيلاء على السلطة والحكم.

نحن اليوم، بعد أكثر من ثلاث سنوات على حرب 15 أبريل 2023، أمام نسخة أكثر حدة من هذا التصور. فقد أصبحت المواجهة تُقدَّم أحيانًا باعتبارها مواجهة بين الجيش و"الآخرين": الأحزاب المدنية المتهمة بالعجز والخيانة، ومنظمات المجتمع المدني المتهمة بموالاة الغرب، بل وحتى قطاعات من الإدارة الأهلية ورجال الدين التقليدي، التي لا يُراد لها في المجال العام إلا أن تصطف خلف الجيش.

وهكذا يُستدعى "الشعب السوداني" في مواجهة السياسة، مع أن مفهوم الشعب نفسه من مفاهيم الدولة الحديثة، ويُستدعى "الدين" أو "الثقافة" في مواجهة الدولة المدنية، ثم تُستدعى "مكافحة الإرهاب والتطرف" لتبرير إقصاء آخرين من المجال العام.

المفارقة أن الجيش يشغل هنا موقعًا لا ينبغي لمؤسسة واحدة أن تشغله: فهو الدولة حين ينافس الحكومة، وهو المجتمع حين ينافس الدولة.

ولعل جذور ذلك ليست بعيدة. ففي عهد الإنقاذ أدت رمزية عمر البشير وظيفة مشابهة؛ فقد ظل يمثل نقطة التقاء تيارات متصارعة داخل النظام، حتى قيل مرارًا إن بقاءه هو الضامن لوحدة الإنقاذ. وبعد سقوطه في أبريل 2019 انتقلت الوظيفة الرمزية إلى المجلس العسكري، ثم إلى البرهان وحميدتي، وبقيت قطاعات من النخبة السياسية تتعامل مع العسكري بوصفه الطرف الذي يمكن استمالته لحسم الصراع السياسي.

لكن حرب 15 أبريل كشفت إلى أي مدى يصبح هذا التصور كارثيًا عندما تتحول المنافسة على السلطة إلى صراع صفري مسلح. فبدل أن تحسم الحرب سؤال الدولة، أنتجت مزيدًا من تفككها، ووسعت الفجوة بين المجتمع ومؤسسات الحكم، وجعلت إعادة بناء الدولة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

لذلك لا يكون الخروج من الأزمة بالقضاء على الجيش، كما لا يكون بتسليمه الدولة بحجة حماية المجتمع. الجيش مؤسسة ضرورية للدولة، لكنه ليس الدولة، والمجتمع ليس مؤسسة عسكرية، والسياسة ليست امتدادًا للحرب.

المطلوب هو إعادة تعريف الدولة والمجتمع والسياسة والمدنية، بما في ذلك إعادة تعريف موقع الجيش داخل الدولة.

فالجيش لا يصبح دولة لأن الحكومة فشلت، ولا يصبح مجتمعًا لأن المجتمع انقسم.

وحين نمنحه الموقعين معًا، فإننا لا ننقذ الدولة والمجتمع، بل نلغي الاثنين لحساب مؤسسة واحدة.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...