عامر علي الحاج

منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023م، عاد الحديث بقوة عن ضرورة إبعاد الجيش السوداني عن السياسة، باعتبار أن ذلك هو المدخل الطبيعي لبناء دولة مدنية مستقرة. غير أن هذا الطرح، بالرغم من وجاهة هدفه، لا يجيب عن السؤال الأكثر تعقيدًا: مَنْ الذي يقود هذا الانتقال إذا كانت الدولة نفسها لم تستكمل بناء مؤسساتها، وإذا كانت القوى المدنية لم تنجح حتى الآن في إنتاج مركز سياسي قادر على إدارة هذا التحول، بينما لا يزال الجيش، بكل تعقيداته، يمتلك أكبر أدوات القوة المنظمة في البلاد؟

المشكلة أن النقاش السوداني ظل أسير ثنائية مضللة: إما حكم الجيش، وإما حكم المدنيين. لكن التجربة أثبتت أن الأزمة أعمق من مجرد هوية الحاكم، لأنها تتعلق بطبيعة الدولة نفسها.

فالسودان لم يعرف منذ الاستقلال دولة دستورية مستقرة تحدد بصورة نهائية العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية. كما أن القوات المسلحة لم تنشأ أصلًا داخل دولة وطنية مكتملة، وإنما ورثت جزءًا من بنية الدولة الاستعمارية، ثم دخلت مبكرًا في إدارة السلطة عبر انقلاب نوفمبر 1958م. ومنذ ذلك التاريخ، أصبح الحكم العسكري هو القاعدة أكثر من كونه استثناءً.

غير أن المؤسسة العسكرية التي يتحدث عنها السودانيون اليوم ليست هي المؤسسة نفسها التي عرفها السودان في ستينيات أو سبعينيات القرن الماضي. فقد أحدثت ثلاثون عامًا من حكم الإنقاذ تحولًا جذريًا في بنية الدولة ومؤسسات القوة. لم يكن انقلاب 30 يونيو 1989م مجرد انقلاب عسكري تقليدي، بل كان مشروعًا لإعادة تشكيل الدولة عبر تحالف بين المؤسسة العسكرية والتنظيم الإسلامي الذي احتفظ -قبل الانقلاب- ببنيته الأمنية والعسكرية الخاصة، ثم عمل بعد نجاحه على إعادة هندسة الجيش والأجهزة الأمنية والشرطة، وإنشاء تشكيلات موازية، وتوسيع النشاط الاقتصادي للمؤسسات النظامية.

ثم جاءت مفاصلة عام 1999م لتؤكد أن مركز الثقل انتقل تدريجيًا من الحزب إلى مؤسسات القوة. ومع سقوط نظام الإنقاذ في أبريل 2019م لم تختف هذه البنية، بل بقيت معظم مؤسساتها، ثم دخلت في صراعات داخلية انتهت بالحرب الحالية.

لهذا، فإن التعامل مع الجيش السوداني اليوم باعتباره مجرد مؤسسة مهنية يمكن تكليفها بقيادة الانتقال، يتجاهل التحولات البنيوية التي صنعتها ثلاثة عقود من إعادة تشكيل الدولة. وفي المقابل، فإن الدعوة إلى إقصائه الكامل من أية عملية انتقالية تتجاهل واقعًا لا يقل أهمية، وهو أن المؤسسة العسكرية ما زالت تمثل أحد أهم مراكز القوة الفعلية في السودان، وأن تجاهلها لا يلغي وجودها ولا قدرتها على التأثير.

وفي الجهة الأخرى، لا تبدو القوى السياسية المدنية، بالرغم من مشروعيتها السياسية، في وضع يسمح لها بحمل مشروع إعادة بناء الدولة منفردة. فقد كشفت تجربة الشراكة بين أغسطس 2019م وأكتوبر 2021م عن قصور واضح في بناء المؤسسات الدستورية. فلم يُنشأ المجلس التشريعي، ولم تستكمل مؤسسات القضاء، وتأخر قيام المفوضيات، وظلت الأحزاب منقسمة، بينما بقيت النقابات والمجتمع المدني أضعف من أن يشكلا سندًا مؤسسيًا للتحول الديمقراطي.

لذلك، فإن الاعتماد الكامل على أي طرف، عسكريًا كان أو مدنيًا، يبدو رهانًا غير مضمون. فالدولة لا تُبنى بإرادة مؤسسة واحدة، وإنما بتوازن مؤسسي يمنع احتكار السلطة، ويخضع الجميع لقواعد دستورية واحدة.

المطلوب إذن ليس إعادة إنتاج الشراكة الهشة التي عرفها السودان بعد 2019م، ولا إعادة إنتاج هيمنة المؤسسة العسكرية، وإنما إنشاء مرحلة تأسيسية جديدة، يكون دورها الأول بناء مؤسسات الدولة قبل التنافس على السلطة. وتشمل هذه المرحلة إنشاء مجلس تشريعي حقيقي، واستقلال السلطة القضائية، وتفعيل المفوضيات الدستورية، وإطلاق الحياة النقابية والسياسية، والشروع في إصلاح أمني وعسكري متدرج يخضع لرقابة مدنية دستورية، ويهدف إلى توحيد جميع التشكيلات المسلحة داخل مؤسسة وطنية واحدة.

في هذه العملية، لا ينبغي أن يكون الجيش هو صاحب القرار النهائي، كما لا ينبغي أن تكون القوى السياسية وحدها صاحبة القرار. فنجاح الانتقال يتطلب توزيعًا متوازنًا للسلطة، وضمانات دستورية متبادلة، ورقابة مؤسسية تحول دون عودة أي طرف إلى احتكار الدولة.

لقد أثبت تاريخ السودان أن الرهان على القوة وحدها لا يبني دولة، كما أثبت أن الشرعية السياسية وحدها لا تكفي إذا لم تسندها مؤسسات قادرة على فرض القانون وإدارة الخلافات. ولهذا، فإن التحدي الحقيقي ليس اختيار من يحكم المرحلة المقبلة، بل بناء قواعد تجعل أي حاكم، مدنيًا كان أم عسكريًا، خاضعًا للدستور لا فوقه.

إن أزمة السودان ليست أزمة جيش ولا أزمة أحزاب فحسب، وإنما أزمة دولة لم يكتمل تأسيسها بعد. وما لم تصبح إعادة بناء هذه الدولة هي الأولوية المطلقة، فإن أي انتقال سياسي سيظل معرضًا لإعادة إنتاج الأزمة نفسها، مهما تبدلت الوجوه أو تغيرت موازين القوى.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...