محمد الأمين عبد النبي

 

من نافلة القول إن الفساد في السودان لم يبدأ مع الحرب، لكنها كشفت أبعاده ومنحته أشكالًا أكثر خطورة. فالفساد الراهن امتداد لمنظومة الإنقاذ، حين جرى تسييس مؤسسات الدولة، وإضعاف الخدمة المدنية والرقابة والمساءلة، وتوسيع شبكات التمكين، وخلط المال العام بالنفوذ السياسي. ومع اندلاع الحرب، انتقل هذا الإرث إلى اقتصاد حرب تتداخل فيه السيطرة على الموارد والأسواق والمعابر مع تمويل الصراع وإدامته.

فالفساد على حد وصف الدكتور حيدر إبراهيم شكل من "الاستعمار الداخلي"، حين تتحول المجموعة المسيطرة إلى قوة تستحوذ على موارد البلاد، متجاوزة القوانين والنظم والقيم الأخلاقية. وخلال السنوات الأخيرة، اتسعت هذه الظاهرة بصورة منهجية لصالح نفوذ القوى المسلحة، فأصبحت الموارد مجالًا للنهب وتضارب المصالح.

والأخطر أن الفساد بات سلوكًا يمكن التعايش معه وإعادة إنتاجه اجتماعيًا؛ إذ يُقدَّم الفاسد باعتباره رجل أعمال ناجحًا أو رجل بر وإحسان. وهنا تكمن خطورة التحول الاجتماعي؛ حين يصبح النجاح مرادفًا للقدرة على الوصول إلى المال بأية وسيلة.

 

لقد أصبح اقتصاد الحرب أحد محركات الصراع، إذ غدت السيطرة على الذهب والأراضي والمعابر والطرق والتجارة والمساعدات الإنسانية مصدرًا للقوة السياسية والعسكرية. وهكذا نشأت شبكات متشابكة من التمويل والنفوذ، تتداخل فيها المصالح الاقتصادية والسياسية والعسكرية.

ويمثل الذهب نموذجًا صارخًا لذلك. فمع السيطرة على مناطق الإنتاج، وضعف الشفافية في التصدير، وتعدد الجهات الاقتصادية المرتبطة بالمؤسسات السيادية والعسكرية، تبرز أسئلة جوهرية حول مصير هذه الثروة، وما يدخل فعليًا إلى الخزانة العامة، وما يذهب إلى تمويل الصراع.

وامتدت الزبائنية إلى الأراضي والعقارات، خصوصًا مع النزوح وفقدان ملايين المواطنين القدرة على حماية ممتلكاتهم ومصادر رزقهم، بما يفتح الباب أمام الاستيلاء غير المشروع عليها. كما أتاح انهيار الدولة مجالًا لتوسع الجبايات غير القانونية والرسوم والابتزاز عند نقاط العبور والمعابر، وأصبحت حركة السلع والمساعدات الإنسانية عرضة لنهب القوى المسيطرة على الأرض. وفي بلد يعاني الملايين فيه من النزوح والجوع، تتحول الإغاثة إلى سلعة، في واحدة من أقسى صور الفساد، لأنها تجعل من معاناة الضحايا موردًا اقتصاديًا.

ويحتاج السودان إلى مواجهة حقيقية للفساد، لا إلى استخدام ملفاته أداة في صراع شبكات المصالح. فليس من مكافحة الفساد أن يُشهَّر بفاسد بينما يُحمى آخر، أو أن تُستخدم وسائل الإعلام لكشف طرف والتغطية على آخر وفقًا لموازين النفوذ. فالفساد لا يُواجه بفساد بديل، ولا بتبادل الاتهامات بين مناصري المفسدين.

 

لذلك، فإن مواجهة الفساد معركة لا تقبل التأجيل، لأنها جزء من معركة إنهاء الحرب وبناء الدولة. وتقتضي تفكيك منظومة الفساد واقتصاد الحرب وشبكات النفوذ التي جعلت استمرار الحرب مصلحة مباشرة لأمرائها والمستفيدين منها، عبر مؤسسات عدلية ورقابية مستقلة، وقواعد شفافة للمساءلة، وإخضاع الجميع لسيادة القانون دون انتقائية أو حصانات سياسية. ويبدأ ذلك بتوثيق الانتهاكات الاقتصادية والمالية، وتتبع شبكات المصالح داخل السودان وخارجه، واستعادة استقلال مؤسسات الرقابة والعدالة.

كما يتطلب إعادة بناء الخدمة المدنية على أساس الكفاءة، وإبعاد الوظائف القيادية عن المحاصصة، وإلزام شاغلي المناصب العامة بإقرارات الذمة المالية، وإخضاع المؤسسات والشركات المرتبطة بالدولة للمراجعة والمساءلة، بما في ذلك النشاط الاقتصادي للمؤسسات العسكرية والأمنية.

لن يستعيد السودان عافيته ما لم يُفكَّك اقتصاد الحرب، باعتبار ذلك شرطًا للسلام وإعادة بناء الدولة والثقة بين المواطن ومؤسساتها، وترسيخ قاعدة أن ثروات البلاد ملك للشعب، وأن الوظيفة العامة أمانة وليست غنيمة، وأن القانون فوق الجميع، يحمي المال العام ويحاسب كل من يعتدي عليه.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...