عامر علي الحاج

 

لم يكتمل مشروع واحد لنزع السلاح والتسريح والدمج في تاريخ السودان الحديث. منذ اتفاقية أديس أبابا 1972م، التي انتهت عمليًا بتحول حركة "أنانيا" إلى "أنانيا الثانية"، وصولًا إلى اتفاقية جوبا 2020م التي نصّت بوضوح على جداول زمنية من 90 يومًا وثلاثة أشهر وخمسة عشر شهرًا، لم يُنفَّذ حرف واحد مما تعهّدت به الأطراف حتى اليوم. هذه الحقيقة ليست تفصيلًا تقنيًا، بل مفتاحًا لفهم لماذا تتكرر الحروب ولماذا تفشل التسويات.

بدأت القصة مبكرًا، بوعود مؤتمر جوبا في يونيو 1947م، ثم مؤتمر المائدة المستديرة عقب ثورة أكتوبر 1964م. عدم الوفاء بتلك الوعود أسهم مباشرة في تجدد الحرب بعد انقلاب مايو 1969م. وعلى الرغم من إنجاز أول اتفاقية سلام مفصلة عام 1972م، متضمنة إعادة تشكيل جهاز الدولة ودمج الجيوش، إلا أن الاتفاقية انهارت في مايو 1983م، حين نُقضت من قبل حكومة الخرطوم آنذاك. لم يكن الانهيار مفاجئًا؛ إذ إن عدم إنجاز تشكيل القيادة الجنوبية وعمليات الدمج والتسريح سهّل عودة التمرد العسكري بقوة وسرعة.

منذ ذلك التاريخ، انطلق قطار الاتفاقيات والوعود غير المنفذة. محطات هذا القطار معروفة: اتفاقية السلام الشامل 2005م، اتفاقية سلام شرق السودان 2006م، اتفاقية أبوجا لدارفور 2006م، واتفاقية جوبا 2020م. في كلِّ هذه الاتفاقيات، تكرر النمط ذاته: الالتفاف على وعود المشاركة العادلة في وظائف جهاز الدولة السياسي والمدني والعسكري، وعدم إنجاز التنمية في مناطق النزاعات، وتوجيه الموارد المالية المحدودة إلى منافذ أخرى، مع فساد واسع النطاق. والأهم، لم تُنجز قط عمليات حصر الجنود والسلاح ولا نُفذت برامج دمج وتسريح مقبولة مهنيًا، ما أسهم في عودة الحروب وتفاقم انتشار السلاح.

لهذا، لم يكن فشل الاتفاق السياسي الإطاري في ملف الإصلاح الأمني والعسكري قبل التوقيع النهائي، أمرًا استثنائيًا، بل استمرارًا لسيرة تاريخية طويلة. فقد استنفد جهاز الدولة المركزي عبر العقود كلَّ رصيد الثقة الذي كان بمقدور المختلفين معه منحه له. ومع غياب دولة قادرة وموثوقة، اندلعت حرب تحرق الأخضر واليابس، وتفاقمت معها هواجس الأطراف والمكونات الاجتماعية والسياسية، فظهرت تشكيلات مسلحة جديدة تعبِّر عن قوى ناشئة باستمرار.

انتشار السلاح خارج إطار الدولة الحديثة لا يهدد الأمن والسلام على الصعيد المحلي فحسب، بل يحمل مخاطر إقليمية ودولية واضحة. ومع توسع دائرة التسليح، بات خطر تفجر الصراعات قائمًا في مناطق لم تشهد بعد حروبًا مدمرة، في الشمال والوسط والشرق. الأخطر أن سلطة الأمر الواقع اليوم لا تبذل جهدًا عمليًا كافيًا لتلافي هذا المسار، مكتفية بإدارة الأزمة بدل معالجتها من جذورها.

الخلاصة، أن تقديم "السلام" بمعناه الإجرائي على "الدولة"، كان وصفة فشل متكررة. فلا تسوية تصمد دون دولة قادرة على احتكار العنف المشروع، وإنفاذ القانون، وتنفيذ التزاماتها. الدولة ليست نتيجة السلام، بل شرطه. وإذا استمر الفشل المحلي في بناء هذا الشرط، فإن الباب سيظل مفتوحًا لتدخل إقليمي ودولي واسع، لا لأن الخارج يريد ذلك بالضرورة، بل لأن الفراغ يجذبه. ومن دون إعادة تأسيس الدولة أولًا، ستبقى كل التسويات مؤقتة، وكل سلام هشًا، وكل حرب مرشحة للعودة.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...