إمام الحلو 

تنويه: "هذا المقال مستخلص من أحد فصول كتاب تحت الطبع "مسيرة الخلاص الوطني لحزب الأمة القومي". 

بدأ محمد علي باشا (والي مصر) في احتلال كامل الأراضي جنوب مصر، على شريط النيل في يوليو عام (1820م)، وفي ذلك العام واصلت قوات محمد علي باشا التقدم إلى تخوم النيل الأزرق، وأسقطت مملكة الفونج (سنار) في عام (1821م)، واحتلت ممالك البجة شرقًا (1841م). وواصل الخديوي إسماعيل احتلال الأراضي جنوبًا حتى منابع النيل الأبيض في بحيرة فكتوريا وألبرت وضمها إلى مملكته وضُمت دارفور وبحر الغزال بواسطة الزبير باشا (1875م)، ومملكة تقلي في جبال النوبة، والمناطق المتاخمة في إفريقيا الوسطى وجنوب تشاد. وتم إعلان دخول مملكة أونيورو في أملاك "مصر" عام (1872م) (مركز مملكة أونيورو في يوغندا الحالية). هكذا كان احتلال جيوش محمد علي لكامل مساحات أراضي هذه الممالك والسلطنات، وضمها إلى مملكته المصرية، برعاية واعتماد السلطان العثماني في (إسطنبول).

أقام محمد علي في هذه المساحات الشاسعة نظامًا إداريًا مركزيًا، وقسّم الأراضي المحتلة إلى مديريات، ووضع على رأس كل مديرية مديرًا من القيادات التركية أو الأوروبية. وبذلك أصبحت هذه الأراضي هي امتداد جنوبي للدولة المصرية. ولم يكن هناك دولة في الواقع يمكن أن تطلق على هذه المساحة الشاسعة من الأراضي التي احتلها محمد علي باشا، حتى وِفق أبسط التعريفات للدولة بأنها "كيان سياسي مستقل، يتمتع بسيادة على إقليم محدد، ويضم سكانًا دائمين، ويتمتع بحكومة قادرة على فرض سلطتها". (ترجمة للنص المعتمد في اتفاقية مونتيفيديو بشأن حقوق وواجبات الدول لعام (1933م)، والتي تُعد الوثيقة الأساسية في القانون الدولي لتعريفها).

وبالتالي، فإن الدولة تتكون من ثلاثة أركان أساسية: الشعب، الإقليم، والسلطة السياسية (الحكومة). وكذلك لم تكن هناك أمة واحدة تضمها هذه الأراضي المحتلة، والأمة وفق أبسط تعريف لها هي: "مجموعة من الناس يشتركون في هُوية ثقافية مشتركة، مثل: اللغة، التاريخ، العادات، والقيّم".

إذًا، هذه المنطقة من الأراضي الشاسعة لم تكن حينها وقبلها دولة واحدة. ولم تكن أصلًا يومًا أمة واحدة، فهي مجموعة من الممالك والسلطنات والمشيخات لا رابط سياسي بينها، ومجموعة من الشعوب تقطن في هذه الممالك والسلطنات دون رابط ثقافي واجتماعي واقتصادي. ولم يكن هناك ما يشي بوجود الدولة القومية.

لذلك فإن مصطلح الدولة القومية (الدولة- الأمة)، لم ينطبق على حالة الأراضي التي احتلتها جيوش محمد علي جنوبًا، فتعريف الدولة القومية "الدولة- الأمة" (Nation-State)، هي كيان سياسي ذو سيادة، حيث يتمتع سكان الدولة بوعي قومي مشترك، فهي دولة تجمع بين مفهوم "الأمة" ككيان ثقافي واجتماعي، ومفهوم "الدولة" ككيان سياسي.

ولمّا كان لهذه التجمعات السكانية نظمها وأعرافها المختلفة، بالرغم من مظلة الوجود الإسلامي على معظمها، فإن هذه الممالك والسلطنات والمشيخات في مقاومتها لحكم الاحتلال (التركي المصري)، لم تكن موحدة ولم يتم بينها تنسيق في الحراك، بالرغم من أن هذه المقاومات كانت مستمرة ومتتالية ضد الظلم والفساد ووطأة الضرائب الباهظة، ولكن على نسق "كلٌّ على حِدة".

حتى ظهرت الحركة المهدية السودانية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر (1881م)، لتفجر ثورة شعبية تحررية إحيائية، ثورة هزّت أركان النظام العالمي الإمبريالي ومرّغت هيبة الامبراطورية البريطانية العظمى. وأنشأت أول دولة سودانية وطنية، دولة قومية بمعنى الكلمة.

ويفسّر د. تاج السر عثمان -رئيس المركز القومي الاستراتيجي- في مقال بعنوان "الذكرى 139 لتحرير الخرطوم"، نشر بـ"سودانايل"، إنجاز الحركة المهدية الوطني على أساس أن: "الثورة المهدية هي حاصل تطور تاريخي، وهي عملية وحاصل تراكم كمي لانتفاضات وثورات جزئية ظلت مستمرة ضد الحكم (التركي المصري) حتى تم تتويجها بالثورة المهدية، كثورة أو انتفاضة شاملة ضد النظام، ويمكن تتبع الخط البياني الصاعد لتلك الانتفاضات على النحو التالي:

مقاومة الشايقية عند بداية الغزو التركي.

ثورة أهل سنار بقيادة رجب ود عدلان.

ثورة المك نمر.

مقاومة أهل العليفون.

مقاومة أهالي مدني.

عصيان الشيخ خليفة بن الحاج العبادي.

– ثورة أهالي التاكا (الشرق) عام (1844م).

– تمرد زعماء الشكرية على أراكيل بك (الحاكم العام).

 ثورة الجنود السودانيين في مدني سنة (1844م).

 – ثورة الجهادية السود في كسلا سنة (1865م) والتي أوشكت أن تقضي على الحكم في مديرية التاكا.

ثورة هارون الرشيد في دار فور.

– ثورة صباحي في كردفان

 – ثورة سليمان ورابح الزبير باشا رحمة في مديرية بحر الغزال في سنة (1879م).

وعلى الرغم من نجاح الحكومة في قمع تلك الانتفاضات والثورات الجزئية وانفرادها بكل منها وسحق المعارضين والتنكيل بهم بالشنق والإعدام رميًا بالرصاص وبحملات الإبادة الشاملة، إلا أن الملاحظ استمرار تلك الانتفاضات، وما أن يتم إخماد ثورة أو انتفاضة حتى تندلع أخرى، وإذا كانت هذه الثورات قد أخمدت في أوقاتها، إلا أنها شكلت المقدمة للثورة المهدية والتي نجحت بفضل شمولها وعجز النظام القائم عن قمعها ووجود القيادة الثورية والجيش الثوري".

وهكذا كما وضّح تاج السر، كانت هذه المقاومة عبارة عن ثورات جزئية ولم يكن بينها رابط سياسي أو اجتماعي أو ثقافي، ولم يتم ذلك الربط إلا عند تباشير اندلاع الثورة المهدية، والتي جمعت فأوعت كل تلك التجمعات والثقافات في بوتقة واحدة، وتردد صداها في العالم باسم السودان.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...