إمام الحلو
(ملخص الفكرة) زائدا ما يلي: (دولتا "وينجيت" و"العسكر") لما يربط بينهما من (بيروقراطية عسكرية مستعلية، بيروقرطية مدنية مدجنة، اقصاد مخالفي الرأي وتقريب مخالفي المهدية، وما سار عليه العسكر السودانيون قبل السودنة وما بعدها)
دولة "وينجيت"
يقول غابرييل ر. واربورغ (Gabriel R. Warburg) هو مؤرخ ألماني يُعدُّ من أبرز الخبراء في التاريخ الحديث والمعاصر وخاصة في السودان ومصر: عند بداية عهد الحكم الثنائي (الإنجليزي المصري)، وبناء على توجيهات اللورد كرومر المندوب السامي البريطاني في مصر، أرسل كتشنر، قائد حملة إعادة احتلال السودان، مذكرة لحكام المديريات تضمنت ثلاثة مبادئ رئيسة لالتزام حكومة السودان بها في السنوات القادمة:
1. السماح بتجارة الرقيق المحلية.
2. تخفيض الضرائب.
3. تشجيع نشاط المسلمين السنة بخلاف الصوفية.
وعندما أصبح وينجيت حاكمًا عامًا للسودان (1899م- 1916م)، طبّق هذه المبادئ الثلاثة بكفاءة عالية، ونفذ بفعالية وحماسة تعليمات كتشنر العدائية.
لقد وضع وينجيت أعمدة بنية دولته على خمس مؤسسات وأنظمة رئيسة:
1) بيروقراطية مدنية مدجنة- من خريجي كلية غردون التذكارية (1902م- 1950م).
البروف ميرغني عبد العال حمور، في كتابه "مسيرة الخدمة المدنية في السودان" يورد: (أن الخدمة المدنية ظلت كامل قيادتها أجنبية التكوين حتى (1948م)، وكانت أهدافها تتلخص في استمرارية واستقرار الحكم الأجنبي). وأوردت م. د. انتظار عبد الرزاق عبد محي في مقالتها المنشورة في مجلة "دراسات في التاريخ والآثار": "الجنرال ريجنالد وينجيت ودوره السياسي والاجتماعي في السودان" (كانت أهداف التعليم التي وضعها وينجيت ومدير التعليم "كري"، بدعم وتأييد من كرومر والتي استمرت طوال مدة الحكم الثنائي، تتلخص في إيجاد صناع مهرة، ونشر الوعي لمعرفة القواعد الأولية لجهاز الدولة، وتدريب طبقة لإشغال الوظائف الحكومية الدنيا لجهاز الإدارة).
2) بيروقراطية عسكرية مستعلية- من خريجي المدرسة الحربية التابعة للجيش المصري (1905م-1924م). وقوة دفاع السودان (1925م- 1954م).
3) إدارة أهلية خاضعة- من زعماء القبائل التي لم تشارك في الثورة المهدية، وطُوِر لاحقًا في (1919م) إلى "نظام الحكم غير المباشر" بواسطة لجنة "ميلنر"، وهذه إفادة روبرت أو كولينز أستاذ التاريخ في جامعة كاليفورنيا، في كتابه المترجم "تاريخ السودان الحديث".
4) نظام اقتصادي انطلاقًا من احتياجات ومصالح القوى الاستعمارية. اقتصاد السوق بديلًا للاقتصاد التقليدي (الاكتفاء الذاتي)، أهم مؤسساته "شركة السودان الزراعية" لتصدير خام القطن لمصانع لانكشير في إنجلترا. وهذه إفادة من تيم نبلوك في كتابه الشهير "صراع السلطة والثروة في السودان".
5) هيئات دينية محافظة في عام (1910م)، (منعًا لنشاط الحركة المهدية الراديكالي والطرق الصوفية)، يقول نوح سلومون أستاذ التاريخ بجامعة شيكاغو الأميركية في مقالة له بعنوان:
"نقض المهدية.. “Undoing the Mahdiyyah: ولتنفيذ هذه السياسة، أنشأ وينجيت ثلاث مؤسسات:
1. مجلس علماء استشاري من خريجي الأزهر.
2. نظام المحاكم الشرعية وفق نظام الأزهر.
3. برنامج تدريبي للقضاة في كلية غردون التذكارية على مناهج العلوم الأزهرية.
هذه المؤسسات الخمس، هي ترجمة عملية لطموحات وينجيت، وهي أساس بنية دولته الاستعمارية. وبالطبع، فإن التوجه نحو خدمة المواطن أو إرضائه أو وضع رغباته موضع الأولوية، لم تكن من أدبيات هذه المؤسسات، كما قال د. ميرغني حمور في كتابه "مسيرة الخدمة المدنية في السودان". واستمرت "دولة وينجيت" ومؤسساتها راسخة ومتطورة في خدمة أهداف المستعمر البريطاني حتى بعد مغادرته السودان. لقد ترسخت سياسات وينجيت وتشريعاته في بنية الدولة الكولونيالية، وأصبحت مرجعية لكل الحكام العامين الذين أتوا بعده.
لقد وضع وينجيت الأساس لدولته في السودان على نمط "الدولة- الأمة" وفق معايير أيديولوجية الدولة القومية، كما حدد معالمها العالم الغربي في اتفاقية "صلح وستفاليا" (1648م)، لكن لأن الدولة التي أقامها وينجيت هي دولة كولونيالية، فلم تأخذ في حسبانها شرط تكوين الدولة القومية كما "هي كيان سياسي ذو سيادة، حيث يتمتع سكان الدولة بوعي قومي مشترك، دولة تجمع بين مفهوم "الأمة" ككيان ثقافي واجتماعي، ومفهوم "الدولة" ككيان سياسي".
ولأن وينجيت بنى استراتيجية دولته على هدف "محو كل أثر للمهدية"، فقد عمد إلى تهشيم الروابط الثقافية والاجتماعية التي بدأت في تجميعها الحركة المهدية. وفي ذلك يقول الأستاذ بجامعة شيكاغو الأمريكي نوح سولومون "من الأشهر الأولى للاحتلال، جرى مسعىً منظم لتطهير السودان من أي أثر للمهدية"..
” From the very first months of the occupation, a concerted effort took place to cleanse the Sudan of any trace of Mahdism
لقد كان تأثير وينجيت وسياساته متواصلًا على مجريات الأحداث في السودان منذ انتصار الثورة المهدية على التركية السابقة، وحتى استشهاد خليفة المهدي ورفاقه على يديه في أم دبيكرات. وتعاظم هذا التأثير عند توليه منصب الحاكم العام للسودان، بوضعه الأساس لدولة على مساحة أراضي شاسعة، وبقيت هذه الأسس والسياسات والتشكيلات فاعلة ومؤثرة وبدرجات متفاوتة حتى اندلاع حرب أبريل الكارثية.
وعلى الرغم من أن مفهوم الدولة القومية (الدولة- الأمة)، أصبح محل نقد ونفور شديدين، وظهر الطموح إلى دولٍ وطنية مستقرة ذات حدودٍ ثابتة ولا تتحرك فيما وراء حدودها، حسب رؤية د. رضوان السيد، أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية. مقالته "بين الدولة القومية والدولة الوطنية"-"الشرق الأوسط"، 9 يونيو 2022م.
إلا أن الدولة القومية التي أقامها وينجيت في السودان كانت شوهاء، ولم يشارك في وضعها السودانيون أنفسهم. ولكن عندما استقل السودانيون من الحكم الكولونيالي، واصلوا إدارة الدولة المستقلة بنفس آليات دولة وينجيت. وهذا في اعتقادي سبب تآكل بنية الدولة وانتفاء عناصر تكوينها من شروط بناء الدولة القومية، وانتهى بها الأمر إلى دولة هشة وفاشلة أنتجت حربًا أهلية كارثية، ما زالت مستعرة لتكون من نتائجها تحطم آمال الشعب السوداني في دولة جديدة قائمة على أسس جديدة، تُحْسِن إدارة التنوع الثقافي والاجتماعي وتعمل على تحقيق المواطنية المتساوية والعدالة الانتقالية والحكم الرشيد. "دولة وطنية" بديلًا لدولة وينجيت الكولونيالية.




التعليقات (0)
جاري التحميل...