إمام الحلو
في البحث عن دور "النخبة العسكرية" في الحياة السياسية السودانية، ومعرفة أسباب انغماسها في ممارسة السياسة والاقتصاد، وشغفها بالاستيلاء على السلطة بالقوة عبر الانقلابات العسكرية، واستخدام العنف في السيطرة على مقاليد الحكم وإخضاع الشعب لسلطتها ووصايتها، مما شكّل ظاهرة الاحتلال الداخلي للسودان على يد أبنائه من العسكريين. فمنذ استقلال السودان في (1956م) وحتى اليوم، مرّت سبعون عاماً، حكم منها العسكر لمدة (56) عاماً، أي ما يعادل نسبة (80%) من عمر السودان المستقل.
غير أنه لا بد من التأكيد أولاً على أن وجود جيش وطني مهني واحد هو شرط أساسي لضمان سيادة الدولة وحماية حدودها من المعتدي الغاصب، وأن يكون الجيش، بصفته أحد أدوات الدولة في أداء مهامها تجاه المجتمع (الأمة)، حارساً أميناً للديمقراطية، ملتزماً بالدستور والمبادئ التي يقوم عليها.
ومن كتاب العميد عبد الرحمن الفكي "تاريخ قوة دفاع السودان (1971م)" (ص 32): «تبين أن طبيعة تكوين الجيش السوداني، بداية من المدرسة الحربية التابعة للجيش المصري، وحتى إنشاء قوة دفاع السودان كجيش إقليمي غير نظامي، كانت تقوم على عقيدة عسكرية ذات ولاء للحاكم العام البريطاني، وكانت مهامه حفظ الأمن الداخلي في البلاد في شكل قوة بوليسية مسلحة يقودها قادة بريطانيون».
ويتضح أن الجيش السوداني ونخبته العسكرية من الضباط نشآ وفق عقيدة عسكرية وضعها الاحتلال الخارجي الاستعماري، وأن هذه العقيدة العسكرية لازمته بصفة رسمية حتى سودنة الوظائف العسكرية في (1954م).
ومن الملاحظات في مسيرة المؤسسات المسودنة، خاصة البيروقراطية المدنية والبيروقراطية العسكرية، انغماسها في العمل السياسي بعد الاستقلال. وهذا الانغماس السياسي هو مواصلة لدور هذه المؤسسات في الحقبة الاستعمارية، وممارسة طبيعية لسد الفراغ السياسي الذي أحدثه خروج الحكم الاستعماري، لعدم رغبته أو تجاهله، عن عمد، في تكوين وتأهيل أحزاب سياسية ضمن الأنظمة التحديثية التي استجلبها من النظام البريطاني. وقد تزايد تسييس هذه المؤسسات المدنية والعسكرية بشكل مكثف خلال عهود الأنظمة الانقلابية المتعاقبة.
ويؤكد هذه الملاحظة البروفيسور ميرغني حمور بقوله: «كان لاعتماد الحكم الاستعماري، على مدى نصف قرن من الزمان، على جهاز الخدمة المدنية لتصريف شؤون الحكم والإدارة بصورة أساسية، ثم لميراث الحكم الوطني لذات الجهاز مع بواكير الحكم الوطني، لأغراض تسيير دفة الحكم والإدارة، أثرٌ في أن أصبحت الخدمة المدنية، بصورة عملية، الجهاز الذي يقوم بتسيير الأمور، والذراع الفاعل لتطبيق وتنفيذ السياسات».
ومن الملاحظات أيضاً أن هذه المؤسسات المدنية والعسكرية، ولعجزها عن أداء مهامها الأساسية، دائماً ما تلقي باللوم على الأحزاب السياسية وحكوماتها الديمقراطية، وتوهم المواطنين بأن الفشل في تلبية احتياجاتهم من الخدمات الأساسية وتطلعاتهم إلى مستوى معيشة أفضل إنما هو بسبب الأحزاب السياسية والسياسيين.
وخلاصة الأمر أن الاحتلال الداخلي بواسطة البيروقراطيتين العسكرية والمدنية مارس سلطته الانقلابية على ميراث مباني "دولة وينجيت" ومؤسساتها الاستعمارية المتهالكة دون تغيير يُذكر. وأن محاولة نظام الإنقاذ البائد استبدال هذه الدولة بدولة المشروع الحضاري باءت بالفشل. وجاء انقلاب المكون العسكري في أكتوبر (2021م)، عقب ثورة ديسمبر المجيدة، ليجلس على تلة حطام ميراث دولة "وينجيت"، وانتهى إلى سلطة بلا دولة، وانكفأ على نفسه في حرب شعواء تدميرية بين طرفيه (الجيش والدعم السريع).
وهكذا كانت الحكومات المدنية المنتخبة، أثناء الفترات الديمقراطية، تواجه بمعارضة خفية وعدم تعاون من البيروقراطيتين المدنية والعسكرية، وسرعان ما تنقض عليها بانقلاب عسكري قبل أن تنهي دورتها الانتخابية. ويقول في ذلك الدكتور أسامة الغزالي حرب في كتابه "الأحزاب السياسية في العالم الثالث": «إن النظم التي تسيطر عليها البيروقراطيات العسكرية و(أو) المدنية ترفض أي وجود شرعي، في العملية السياسية، للأحزاب السياسية».
هكذا كان الوضع في السودان منذ بداية عهد وينجيت، واستمر هذا الحال حتى بعد عملية السودنة. وفي ذلك يقول العميد عبد الرحمن الفكي: «ضمن سودنة الرتب العسكرية عام 1954م، فإن أول قائد لقوة دفاع السودان، أحمد محمد حمد الجعلي، كان قد استلم القيادة من الجنرال الإنجليزي (سكونز)، وهو خريج كلية غردون (طالب حربي)، التحق في أول يناير (1917م) ضابطاً في الجيش المصري بسلاح الأشغال العسكرية».
وفي مؤسسات البيروقراطية العسكرية والبيروقراطية المدنية، لم يتم تأهيل وتدريب وإعادة تكوين وتوجيه الكوادر السودانية بهذه المؤسسات نفسياً ووجدانياً وفكرياً، وحتى ثقافياً، للتعامل مع المواطن السوداني بوصفه صاحب الحق الأصيل في تلقي خدمات جيدة ومتطورة. كذلك لم تتم إعادة توجيه أولويات هذه المؤسسات لتبني التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية كأولوية لازمة وضرورية للنهوض بمستوى حياة المواطن ومعيشته، وتلبية طموحاته وتطلعاته في مستوى حياتي يليق بنضاله من أجل التحرر الوطني والاستقلال السياسي.
ومنذ الاستقلال بدا أن هناك تفاوتاً بين طموحات المواطنين وتطلعاتهم من جهة، وبين قدرات وإمكانات وإرادة هذه المؤسسات من جهة أخرى، مثل المؤسسات المدنية والنظامية والأجهزة الإدارية والقضائية. وقد تسبب هذا التفاوت في فجوة بين المواطن ومؤسسات دولته، التي أصبحت هدفاً للنقد والاستعداء والريبة من جانب المواطن، كما أصبح المواطن هدفاً للاستعلاء وعدم الاهتمام، وأحياناً عدم الاحترام، من بعض منسوبي تلك المؤسسات.
خاصة من البيروقراطية العسكرية، إذ يصف بعض العسكريين من الضباط والجنود المدنيين بـ"الملكية"، كناية عن درجة متدنية من المواطنة غير المؤهلة. وربما كانت هذه الفجوة بين مؤسسات الدولة والمواطن من أهم أسباب الدورة الجهنمية في الانتقال من حكومة مدنية إلى حكومة عسكرية، وغياب الخطط والاستراتيجيات طويلة المدى للتنمية القومية.
وخلاصة الأمر أن الدولة السودانية المستقلة استمرت تعمل بالمؤسسات الموروثة من الحكم الاستعماري "دولة وينجيت" دون تغيير جوهري في بنيتها أو سياساتها، بالرغم من محاولات زحزحتها عن المشهد السياسي بانقلاب الجبهة الإسلامية القومية واستبدالها بالدولة الخفية "دولة المشروع الحضاري" لنظام الإنقاذ البائد.
دولة المشروع الحضاري
نفذت الجبهة الإسلامية القومية انقلابها العسكري في 30 يونيو (1989م)، معلنة ما أسمته "ثورة الإنقاذ الوطني"، بدعوى إنقاذ السودان من فشل الحكم الديمقراطي المدني، وليد الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بنظام مايو العسكري الانقلابي الشمولي في 6 أبريل (1985م).
وأقامت الجبهة الإسلامية القومية نظاماً شمولياً إقصائياً، وتبنت برنامجاً طوباوياً أسمته "المشروع الحضاري" لإعادة صياغة المجتمع عبر "وزارة التخطيط الاجتماعي" التي تولاها علي عثمان محمد طه في أول حكومة للانقلاب، ومكنت الجبهة لمنسوبيها من مفاصل الدولة عبر سياسة الولاء والانتماء (التمكين)، وشرّدت آلاف الموظفين والعمال من ذوي الكفاءة والخبرة.
كما استحدثت قطاعاً اقتصادياً جديداً هو "القطاع الخصوصي"، من شركات حكومية مُلّكت لمحسوبيها ومنسوبيها، بديلاً للقطاع العام الحكومي والقطاع الخاص الوطني.
وأطلق الدكتور حسن الترابي العنان لطموحاته التوسعية بمشروع أممي لقيادة العالم الإسلامي السني وفق عقيدة "المسلم دولته دينه"، كما أفتى بذلك القاضي والفقيه السوري علي الطنطاوي: «إن وطن المسلم دينه، فحيثما صاح المؤذن: الله أكبر، فثمة وطنه»، وذلك تحت مظلة "المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي" الذي جمع فيه عدداً من الحركات الراديكالية الإسلامية والعربية، الموالية والمعارضة لحكومات دولها.




التعليقات (0)
جاري التحميل...