د. محمد الواثق عبد الحميد الجريفاوي
مدخل:
تقتضي إعادة قراءة الكتابات التي تناولت الثورة المهدية في السودان، ألا نتعامل معها بوصفها خطابًا واحدًا متجانسًا، أو نتعامل مع الجهات التي أنتجتها باعتبارها مراكز متطابقة في المصالح والأهداف. فاختلاف المواقع السياسية والتاريخية لهذه المراكز انعكس على طبيعة الأسئلة التي طرحتها عن المهدية، ومصادر المعلومات التي اعتمدت عليها، والوسائل التي استخدمتها في مواجهتها، وإن كانت قد التقت في نهاية المطاف في مناهضة الثورة المهدية.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى إسطنبول والقاهرة ولندن باعتبارها ثلاثة مراكز مختلفة في علاقتها بالمهدية، لكلٍّ منها سياقه التاريخي ودوافعه وأدواته، مع ضرورة التمييز بين الالتقاء في الموقف وثبوت التنسيق المباشر بينها.
أولًا: اختلاف الأسئلة لدى العواصم أدى إلى اختلاف الإجابات ومصادر المعلومات وأدوات إنتاجها
عندما نتحدث عن إسطنبول والقاهرة ولندن، فإننا لا نتحدث عن مراكز تمتلك الموقع السياسي نفسه، أو المصالح ذاتها، أو العلاقة نفسها بالسودان والثورة المهدية. ولذلك، لم تكن الأسئلة التي طرحتها هذه المراكز عن المهدية واحدة، وهو ما انعكس على طبيعة المعلومات التي سعت إلى جمعها، والمصادر التي اعتمدت عليها، والكيفية التي فسرت بها الأحداث.
فإسطنبول، بوصفها مركز الدولة العثمانية، كانت معنية بموقع السلطان وشرعيته الدينية والسياسية، وبما يمكن أن تمثله دعوى المهدية من تحدٍّ لهذه المرجعية. ومن ثم، فإن دراسة موقفها تقتضي البحث في المراسلات الرسمية، والمرجعيات الدينية، والمنشورات التي تناولت دعوى المهدية وموقعها من الشرعية العثمانية.
أما القاهرة، فقد واجهت ثورة انتزعت السودان من سلطة الحكم التركي المصري، وأقامت دولة جديدة على الأرض. ولذلك، لم تكن أسئلتها محصورة في شرعية الدعوة المهدية، بل امتدت إلى قيادة الثورة، وقوتها العسكرية، وعلاقاتها بالأقاليم والقبائل، ومصادر قوتها الاجتماعية والسياسية، والوسائل الممكنة لمواجهتها واستعادة السودان. وهو ما يفسر أهمية التقارير الإدارية والعسكرية والاستخباراتية، إلى جانب المنشورات والرسائل الدينية.
أما لندن، فقد نظرت إلى المهدية في سياق المصالح الإمبراطورية البريطانية، وما ارتبط بالسودان من حسابات سياسية واستراتيجية. ومن هنا تبرز أهمية التقارير الدبلوماسية والعسكرية، والصحافة، ومذكرات الأسرى الأوروبيين، والكتب التي أسهمت في تشكيل الصورة البريطانية والأوروبية عن الدولة المهدية.
إن اختلاف هذه المراكز لم يؤدِّ إلى اختلاف المواقف وحدها، بل أدى أيضًا إلى اختلاف الأسئلة التي سعت إلى الإجابة عنها. واختلاف الأسئلة بدوره أدى إلى تفاوت مصادر الإجابة، واختلاف طبيعة المعلومات المجموعة، والوسائل المستخدمة في إنتاجها ونقلها وتفسيرها.
ومن هنا، فإن دراسة المصادر لا ينبغي أن تقتصر على مضمون النصوص، بل يجب أن تشمل الجهة التي أنتجتها، والسياق الذي ظهرت فيه، والغرض الذي استُخدمت من أجله، ومدى استقلالها عن المصادر الأخرى. فقد تتعدد الكتب والتقارير التي تتناول واقعة واحدة، بينما تكون رواياتها مستمدة من مصدر مشترك، أو من شبكة واحدة لتداول المعلومات.
ثانيًا: اتفاق العواصم الثلاث على معاداة المهدية، كلٌّ من وجهة نظره ووفقًا لمرحلته التاريخية
على الرغم من اختلاف دوافع إسطنبول والقاهرة ولندن، فإن ذلك لم يمنع التقاءها في مناهضة الثورة المهدية، وإن اختلفت طبيعة هذه المناهضة وأشكالها ومراحلها.
فبالنسبة إلى إسطنبول، ارتبطت المسألة بالتحدي الذي مثلته الدعوة المهدية للمرجعية الدينية والسياسية العثمانية، وما أثارته من أسئلة حول الشرعية وموقع السلطان. وبالنسبة إلى القاهرة، ارتبطت المواجهة بثورة أسقطت سلطة الحكم التركي المصري في السودان، وأقامت دولة مستقلة عنه، الأمر الذي جعل استعادة السودان هدفًا مركزيًا في سياساتها اللاحقة.
أما لندن، فقد تعاملت مع المهدية ضمن حساباتها الإمبراطورية، في سياق تطورت فيه المصالح البريطانية في السودان، وتداخلت فيه الاعتبارات الاستراتيجية والسياسية مع الخطاب الإعلامي المتعلق بالثورة والدولة المهدية.
وتبرز هنا أهمية التمييز بين اتفاق هذه المراكز في الموقف من المهدية وبين افتراض وجود اتفاق منظم أو خطة مشتركة بينها. فالتقاء المصالح أو تشابه النتائج لا يثبت، بمفرده، وجود تنسيق مباشر؛ وإنما يتطلب إثبات ذلك الرجوع إلى الوثائق والمراسلات والوقائع التاريخية.
كذلك، لا يمكن التعامل مع موقف كل عاصمة باعتباره ثابتًا طوال فترة الثورة المهدية. فقد تغيرت الظروف السياسية والعسكرية، وتبدلت المصالح والحسابات، وهو ما يقتضي دراسة المواقف في سياقها الزمني، والتمييز بين مراحل ظهور المهدية، وقيام الدولة المهدية، والصراع معها، ثم إعادة احتلال السودان.
إن أهمية هذه المقارنة تكمن في أنها تكشف كيف يمكن لمراكز مختلفة في دوافعها ومصالحها أن تلتقي في مناهضة حركة واحدة، من دون أن يعني ذلك تطابق أهدافها أو أدواتها. كما تساعد على فهم أن الدعاية المعادية للمهدية لم تكن بالضرورة خطابًا واحدًا صادرًا عن مركز واحد، بل مجموعة من الخطابات التي تباينت في منطلقاتها، والتقت في بعض مواقفها ونتائجها.




التعليقات (0)
جاري التحميل...