زورق الحقيقة
أبو هريرة زين العابدين عبد الحليم
أن تكون رئيسًا لدولة وشعب، واجبك الأول والأوحد أن تقوده للسلام والأمن وتوفير الأكل والشرب والحياة الكريمة، عبر سياسة وسياسات وعلاقات محلية ودولية في إطار مفهوم الأمن القومي للدولة. فعمل الرئيس وكلُّ جهده يجب أن ينصب في ذلك بعد عرض تقرير الأمن القومي اليومي.
لكن البرهان كانقلابي هدفه السلطة وأن يكون رئيسًا لتحقيق حلم والده وحلمه، لذلك فهو غير مشغول بكلِّ المآسي التي دخل فيها الشعب السوداني ولا بأمنه القومي، لا يمكن تحقيق الأمن القومي والاستقرار إلا بوقف الحرب أولًا وبعدها تحتاج لعلاقات إقليمية ودولية لإعادة الإعمار عبر حكومة مدنية فاعلة. ولكن إن صوت الشعب الحر مشنقة الطاغية، وإنه دمية يحمل أوسمة الموت والخراب ويظن أنه بطل أو كما قال شاعرنا الفيتوري:
إن صوتي مشنقة للطغاة جميعًا
ولا نادمًا...
إن روحي مثقلة بالغضب
كل طاغية صنم... دمية من خشب
... وتبسمت
كل الطغاة دُمًى
ربما حسب الصنم، الدمية المستبدة
وهو يعلق أوسمة الموت
فوق صدور الرجال
إنه بطل ما يزال
إصرار البرهان على هزيمة الطرف المجرم الآخر وأخيه في رضاعة الشمولية البشيرية والتي يتغذى من فكرها ولا يتعلم من أخطائها، فأكبر خطأ هو سياسة هزيمة الطرف المتمرد الآخر عسكريًا، ولنناقش هذه الفرضية من التجربة السودانية والتجارب الأخرى.
تقول تجربتنا السودانية وتجارب أفريقيا القريبة، إن الحروب الأهلية، مهما ارتفع صوت المدافع فيها، لا تنتهي غالبًا بإعلان نصر عسكري حاسم، بل تنتهي حين يكتشف المتحاربون أن كلفة استمرار الحرب أكبر من كلفة الجلوس إلى طاولة التفاوض وأن يحدث توازن الضعف.
في حرب الجنوب جربت الإنقاذ وصفة أن تنتصر وسياسة حتمية النصر وفشلوا بعد خراب كبير وذهبوا للتفاوض وفصلوا الجنوب فهذه الحروب لا منتصر فيها، والبرهان صرح اليوم أنه سوف يحارب حتى النصر الكامل ولم يخبرنا كيف يحل مشكلة ملايين الطلاب، أو الجوع، أو الزراعة، أو فقدان مياه النيل، وكل فهمه أنه يدير معركة عسكرية لا وطنًا وهذه مشكلة عدم صلاحية العسكري في الخدمة أن يكون رجل دولة وسياسيًا.
ففي موزمبيق، استمرت الحرب الأهلية سنوات طويلة بين الحكومة وحركة رينامو، ثم انتهت باتفاق روما للسلام عام 1992م، وهو اتفاق فتح الطريق لنزع السلاح والتحول السياسي والانتخابات بدلًا من استمرار الاستنزاف العسكري. وفي ليبيريا، لم تمنع كثرة الجيوش والميليشيات من أن تكون النهاية السياسية عبر اتفاق أكرا الشامل عام 2003م، الذي أسس لحكومة انتقالية وترتيبات أمنية وانتخابات لاحقة، بعد أن صار البلد كله رهينة للسلاح والخراب.
وفي سيراليون أيضًا، بالرغم من وحشية الحرب وتعدد الأطراف الإقليمية والدولية، لم يكن الحسم العسكري وحده هو الذي أغلق الجرح، بل جاءت مفاوضات لومي واتفاقاتها ثم ترتيبات نزع السلاح وإعادة الدمج لتضع البلاد على طريق الخروج من الحرب. هذه الأمثلة لا تخبرنا إن التفاوض سهل أو أن الاتفاقات كاملة، لكنها تثبت أن شعار "الحسم العسكري" في الحروب الأهلية كثيرًا ما يكون وهمًا مكلفًا؛ لأن الطرف المهزوم عسكريًا اليوم قد يعود غدًا بصورة أخرى ما لم تُعالج جذور الأزمة السياسية والاجتماعية.
لذلك فإن من يرفع راية الحرب حتى "النصر النهائي" في السودان، أي البرهان وإخوانه في الرضاعة من الإسلاميين وحلفاء الجنيه والمصلحة، لا يقرأون تاريخ القارة ولا يفهمون طبيعة الحروب الأهلية. فهذه الحروب ليست مباراة بين جيشين نظاميين تنتهي باحتلال عاصمة أو سقوط قائد، بل هي صراع داخل المجتمع نفسه، تُغذيه المظالم، والانقسامات، والمصالح الإقليمية، واقتصاد الحرب. والزعيم المسؤول لا تقاس شجاعته وحكمته بعدد الجبهات المفتوحة وعدد المعارك، بل بقدرته على إنقاذ ما تبقى من الدولة، ووقف نزيف الدم، وفتح طريق سياسي يضمن جيشًا واحدًا، وسلطة مدنية، وعدالة انتقالية، ومحاسبة لكل من أجرم في حق السودانيين.
فهل يفعل ذلك البرهان ليكون بطلًا، الإجابة لا كبيرة، ويبدو أن الكباشي أفضل منه في هذا المجال وأنجز اتفاق البحرين، وهناك حديث عن تفاوض الأمريكان وآخرين معه، فربما يجد الطاغية نفسه خارج التاريخ إذا استمر في تعنته وأن البديل جاهز على سيناريو فنزويلا وبشار الأسد، فهل سوف يتعلم من التاريخ أم يواصل في تعنته وجهله ليكون رئيسًا على جماجم السودانيين وحتى ينتهي به المطاف في غيهب السجن الحلوك.
المقال القادم سوف يكون بعنوان "حميدتي رئيسًا" لنكشف جهل وطموح السفاح الآخر.




التعليقات (0)
جاري التحميل...