زورق الحقيقة

أبوهريرة زين العابدين عبد الحليم

 

البرهان بيدق في يدِّ النفوذ الإقليمي

في تاريخ السودان الحديث، لم يظهر قائد رفع شعار الوطنية بينما دمر أسسها كما فعل الفريق عبد الفتاح البرهان. الرجل الذي يقدِّم نفسه باعتباره حامي حمى الدولة تحول إلى أكبر تهديد لها، ليس لأنه فشل في إدارة الحرب فحسب، بل لأنه فشل في أن يكون قائدًا يمتلك الحدَّ الأدنى من الشجاعة السياسية أو الأخلاقية لجلب السلام أو الانتصار للسلام.

فالوطنية عند البرهان ليست موقفًا مبدئيًا وإنما ديكور سياسي يعلّقه في خطاباته ويغلقه في وهم الرئاسة وحلمه الخاوي. حين يُقصف فقراء المعدنين، يصمت. حين تُنتهك سيادة البلاد، يبرّر. وحين يُقتل المدنيون، يختفي. قائد لا يدافع عن شعبه ولا يملك الحق في الحديث عن الوطن. الوطنية ليست كلمات، بل دمًا يُحمى وسيادة تُصان. والبرهان لم يفعل أيًّا منهما. وخير دليل الحادث الذي تعرض له فقراء الكادحين من المعدنين في الحدود الشمالية من دولة جارة وشقيقة فهي ليست إسرائيل، بل مصر، فمن يصدق أن دولة عربية وجارة ومسلمة تحرك طيرانها لدك وقتل مدنيين عزل، وسوف يكون لهذا الحادث تبعات إذا لم تعتذر مصر وتقدم تعويضات للضحايا وتلتزم بعدم تكرار هذا الاعتداء، ولا يجب أن تستغل مصر ضعف الوطن وضعف الوطنية عند البرهان، وكان يجب أن تنظر استراتيجيًا في علاقتها بالسودان، وكل ما فعله البرهان هو تشكيل لجنة تحقيق فكيف تنتهك سيادة الوطن ولم تخبره استخباراته التي تعذب ولا راداراته. فمن أين جاء هو وجنرالاته فاقدو الوطنية، فعند احتلال جزء من حلايب في تاريخ سابق حرك الجنرال عبد الله خليل الجيش لحمايتها فماذا فعل هو، فقط شكل لجنة فيا لخيبة الوطن ويا لخيبة الوطنية، فهو لا يستحق شرف الجندية السودانية. ولو كانت هناك قوات مسلحة وضباط وطنيون فهذا الحدث يكفي لإقالته ووضعه في غيهب السجن الحلوك، ولكن الجيش أصبح مشغولًا بالسياسة والتجارة لا حماية حدود الوطن التي تنتهك في وضح النهار ويرد بتشكيل لجنة وكأنه مدير إداري في مصلحة.

السودان اليوم ليس دولة ذات قرار مستقل، بل ساحة نفوذ تتقاطع فيها مصالح إقليمية. والبرهان، بدلًا من أن يقف في وجه هذا النفوذ، أصبح جزءًا منه. تحوَّل من قائد يفترض أن يحمي استقلال السودان إلى أداة في يد الخارج، يعتمد على دعمه، ويصمت حين تُنتهك سيادة بلاده، ويغض الطرف عن تدخلات تهز كيان الدولة. هذا ليس ضعفًا سياسيًا فقط، بل انعدام إرادة لدى قائد فقد القدرة على اتخاذ قرار وطني واحد.

الحرب التي دمّرت السودان هي فشل كبير ونتيجة مباشرة لقرارات البرهان منذ انقلابه على الحكم المدني الانتقالي. لم ينجح في منعها، ولم ينجح في إدارتها، ولم ينجح في إنهائها. ترك المدن تسقط وسقط قبلها في امتحان الوطن والوطنية، وترك المدنيين يواجهون الموت، وترك البلاد تتفتت وأرسل أسرته للخارج لتعيش في سلام، بينما ظلّ يكرّر خطابًا فارغًا عن استعادة أمن الدولة بينما ينشيء دولة الأمن والأمنجية، فهو قائدٌ لا يعرف كيف يبدأ حربًا ولا كيف ينهيها ولا يستحق قيادة دولة. فالشجاعة في قيادة الشعب نحو السلام وتحقيق سلام الشجعان.

أخطر ما في حكم البرهان الانقلابي ليس الحرب فقط، وإنما الفراغ السياسي الذي يحيط به. لا مشروع، لا رؤية، لا خطة، لا مستقبل. مجرد سلطة تبحث عن البقاء، حتى لو كان الثمن انهيار السودان بالكامل. قائدٌ بلا مشروع هو كارثة وطنية، مهما رفع من شعارات الوطنية. قزَّم الجيش واستبدله بعشرات المليشيات ولم يتعلم شيئًا من تجربة الدعم السريع ويظن أنه سوف ينحح في غبائه السياسي. السودان اليوم يحتاج إلى قيادة مدنية مجمع عليها تمتلك شجاعة القرار، لا إلى جنرالٍ يختبئ خلف خطاب الوطنية، بينما يترك الوطن ينزف. يحتاج إلى مشروع دولة، لا إلى مشروع سلطة، يحتاج إلى استقلال القرار، لا إلى الارتهان للخارج، يحتاج إلى حماية المواطنين، لا إلى تبرير موتهم. البرهان، في نظر كثيرين، لم يعد جزءًا من الحل، بل جزءًا من الخراب نفسه والفوضى واللانظام.

البرهان ليس القائد الذي يحتاجه السودان، ولا الرجل الذي يمكن أن يعيد بناء الدولة، ولا الجنرال الذي يستطيع أن يقود البلاد نحو الاستقرار. هو قائدٌ يرفع راية الوطن بينما يترك الوطن يتآكل، ويتحدث عن السيادة بينما يسمح بتآكلها، ويعد بالسلام بينما يغذي الحرب. السودان يستحق قائدًا مدنيًا عبر حكم مدني انتقالي ولا يستحق البرهان وشقيقه في الشمولية حميدتي.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...