د. عثمان البشرى المهدي

 

كثيرًا ما تصطدم دعوات الحوار المفضي للسلام وإنهاء الحرب في السودان، بعقبات كثر قد تكون متعمدة ومعد سيناريوهاتها أو متغافل عنها دون عمد، فدائمًا ما تكون المحصلة النهائية إجهاضًا لفكرة الحوار قبل تمامها، أو تخرجها على نحو خديج سرعان ما تتقاذفه الأنواء فيموت.

يضاف إلى ذلك قصر الحوار على النخب السياسية والشعبويين من السياسيين أو الحنجوريين، أصحاب المضامين الفارغة، فيكون الحوار لا أرضًا قطع ولا خيلًا أبقى.

يتبقى الأنكأ من كل تلك  المخاوف، وهي من أكثر المعكننات ومجهضات الحوار : تعنت السلطة الحاكمة وإصدار  فرمانات المشاركة لهذا ورفض ذلك، بل تتعداها إلى أمر أقرب للمأساة بأفاعيل سلطانية مجحفة بالعفو أو عدمه عن المعارضين للسلطة.

تعجب تشرشل العجوز البريطاني بمقولته (لا يمكنك أن تتفاوض مع النمر ورأسك بين أنيابه).

إذًا، حوار النخب قد لا يمس عصب المشكلة السودانية، فمنظورهم نحو التنافس السلطوي وتقاسمها في مخيلتهم قد يحد من الولوج لعمق المشكلة.

الحوار الحقيقي والفعال يجب أن يستفيد من أخطاء الماضي، بأن يبدأ الحوار قاعديًا في القرى والفرقان والمحليات، وصولًا للمستوى الإقليمي، وذلك من أجل معرفة النبض الحقيقي للجماهير.

ماهية السودان تعريفًا وتوصيفًا دقيقًا؟!

هل الوحدة هي الخيار المحبذ للجميع؟

كيف نستطيع أن نحكم السودان دون إقصاء لفرد أو جماعة بسبب اللون أو العرق أو الدين؟!

ماهي محددات هذه الوحدة والخطوط الحمراء المتفق عليها بين الجميع والملزمة للجميع بعدها؟!

حوار يشمل الطرق الصوفية ودورها في التنشئة الدينية الحقيقية، لتمكين التدين الشعبي وليس الخرافة الشعبية وحدود مسؤولياتها وليس الزج بها كفزاعات.

الإدارة المحلية والعمد والمشخيات، ما لها وما عليها، ودورها في التطور وتأكيد وحدة السودان لا لبننته ولا صوملته. من خلال بث الوعي المجتمعي، وأداء أكثر فعالية تدعيمًا للحكم الإقليمي والدفع بعجلة التطور والتنمية.

حوار للمثقفين وهل هم حيران للسلطة أم بوهيميين أم ذوات أبراج عاجية محتمين بسارتريتهم... فلهم دور مهم بنبذ خطاب الكراهية والحرب، وعكس لفسيفساء الثقافة السودانية دون تمييز.

كذلك حوار لأحزاب سياسية، تتخلى فيه عن نعرة الانقسامات (وسلخ جلد البعوض) والخلافات غير الممنهجة، وتنطلق نحو برامج تخاطب كيفية إيقاف الحرب البلهاء، والبدائل حال استمرارها ضمانًا لعدم تشظي السودان والمحافظة على إنسانه... برامج لما بعد الحرب تخاطب: الاقتصاد والصحة، الشباب والمرأة والطفل، برامج من (واقعنا لا من أكثر )، يستحضرني إبان السنوات الأخيرة من حكم الإنقاذ أن اجتمعت المعارضة وانفضت كثيرًا.

 وأعلنت عن تبنيها لبرامج متعددة جاهزة للتنفيذ عقب سقوط الانقاذ، ولكن بعد السقوط وعلى لسان رئيس وزراء الثورة لم يرفدوه بشيء مكتوب، فكان الأمر (كلام يا عوض دكام).

لذا لعل هذا بعض ما يلزمنا لإجراء حوار إيجابي مع الالتفات للبعد الإقليمي ودور الجوار.

فلا يخفى عن الكثيرين المصالح المتضاربة والمتقاطعة لكثير من دول الجوار، والتي قد تصل لحد التحرشات المتواصلة، أو حشر الأنف في كل ما يخص السودان، ما يستلزم إجراء حوار مع كل من دول الجوار:  مصر وملف المياه والأمن... تشاد وليبيا وتدفق السلاح والهجرة... إثيوبيا وملف سد النهضة... إريتريا والهجرة... وجنوب السودان وملف النفط. وإن استدعى قيام مؤتمر لدول جوار السودان، لتوضيح كثير من المؤذيات للسودان، وإننا لا ناقة لنا ولا جمل في عجن خميرة عكننة لها.

هذا ما يستدعي أن يكون بجانب أخريات، لإدارة حوار سوداني- سوداني.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...