د. إبراهيم البدوي
"... ولا أزعم أن كتاباتي منزلة، بل هي اجتهادات من شأنها أن تخاطب أجيالاً، وواجبنا نحوها أن نخاطبها، وقد تكون حافزاً لآخرين، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون" (من كتاب يسألونك: كبسولات متنوعة، الإمام الصادق المهدي).
نستعرض فيما يلي "نموذجاً اقتصادياً جديداً للتنمية" طرحه الإمام بعد ثورة ديسمبر المجيدة، ونشره في كتابه الموسوم: يسألونك: كبسولات متنوعة.
أولاً: الفلسفة العامة للنموذج التنموي
يرى الإمام أن نجاح التجربة السودانية مرهون بربط الإصلاح السياسي والديمقراطية التوافقية مع النموذج الاقتصادي الرأسمالي الاجتماعي التكافلي، بما يحقق دولة الرعاية الاجتماعية. ويؤكد أن السودان يملك فرصة تاريخية للنهضة، مستفيداً من ثورة ديسمبر وموارده الهائلة وموقعه الاستراتيجي، شريطة توفر إرادة وطنية واعية تلتزم بهذا النموذج.
في هذا السياق، فإن مفهوم التنمية عند الإمام يتعدى النمو الاقتصادي وزيادة الناتج المحلي ــ رغم أنهما يظلان الرافعة الأبرز في العملية التنموية ــ ليشمل العدالة الاجتماعية، والحقوق السياسية والثقافية، وحماية البيئة. ومن أهم ملامح هذا النموذج: العدالة في التوزيع، والشراكة في القرار الاقتصادي، والربط بين الديمقراطية السياسية والاقتصادية، وإدخال مقاييس حقوق الإنسان، والحوكمة الرشيدة، والتأصيل الإسلامي المتجدد.
ويستند النموذج المنشود إلى مبادئ جوهرية، نذكر منها:
• اعتماد رأسمالية اجتماعية تكافلية.
• دمج الزكاة في السياسات العامة لمحاربة الفقر.
• إعادة تعريف الفائدة المصرفية باعتبارها وسيلة لتعويض التضخم وتشجيع الاستثمار.
• تعزيز مبادئ إسلامية ذات بعد اقتصادي: التعمير، والتثمير، والكفاية، والعدالة.
• اعتبار حماية البيئة واستدامة الموارد جزءاً من حقوق الإنسان.
ثانياً: التحديات الاقتصادية، والأدوات السياسوية، ومرتكزات التنمية الأساسية
كان الإمام مدركاً لفداحة التركة الاقتصادية لنظام الإنقاذ البائد، التي ورثتها حكومة الثورة الانتقالية، منوهاً بضعف الإيرادات العامة، ومشيراً إلى أن نسبة حصائل الضرائب إلى الناتج المحلي لا تتجاوز 6%، مقارنة بالمتوسط الأفريقي الذي بلغ 13%.
بالمقابل، تحدث عن تضخم المصروفات وتفاقم عجز الموازنة بسبب الإنفاق الدفاعي والأمني، والدعم السلعي، والفساد. كذلك أوضح أن الميزان الخارجي قد شهد تدهوراً مريعاً جراء ضعف تنافسية الصادرات السودانية، وتهريب الذهب، وغياب الثقة في النظام المصرفي، والعقوبات والعزلة الدولية اللتين منعتا السودان من الاستفادة من برامج إعفاء الديون.
ولمعالجة هذا الوضع الكارثي، دعا الإمام إلى انعقاد مؤتمر اقتصادي قومي لإقرار المبادئ وخطة إسعافية عاجلة، تشمل إصلاحات عاجلة في السنة الأولى، منها: تغيير العملة، وترشيد الدعم السلعي، وزيادة الإيرادات عبر ضرائب عادلة، وإنشاء بورصة للذهب، وتصفية شركات التمكين، وإصلاح المصارف وقوانين الاستثمار، وإعادة تشغيل المصانع، ورفع اسم السودان من قائمة الإرهاب، وتعبئة مساهمة المهجر.
كما دعا إلى مناقشة وإقرار خطة ثلاثية للفترة الانتقالية، لإصدار دليل استثماري في مجالات الزراعة، والصناعة، والتعدين، والطاقة، والبنية التحتية، والنقل، والمواصلات، والمياه، والخدمات الاجتماعية، والبيئة، والسياحة.
كذلك دعا الإمام إلى تمويل التنمية عبر الموارد الوطنية المستردة، ومساهمة المهجر، والشراكات العربية والأفريقية، والشراكات الآسيوية، والدعم الدولي، محدداً سبعة مرتكزات أساسية للتنمية تشمل:
• الزراعة والثروة الحيوانية: الذهب الأخضر والذهب الأحمر.
• التعدين: شراكات استراتيجية مع اليابان والصين ودول أخرى.
• الطاقة: استغلال الشمس والرياح والإيثانول.
• المياه: إنشاء إدارة قومية لتوظيف الموارد المائية.
• الخدمات الاجتماعية: مجانية التعليم والصحة، ونشر المعرفة، وإزالة التهميش.
• البيئة: تخضير السودان والمشاركة في مكافحة التغير المناخي.
• السياحة: تطوير المواقع الأثرية والتاريخية.
ثالثاً: المجلس الاستراتيجي الأعلى للتنمية الشاملة العادلة
لمأسسة إنفاذ القضايا المتفق عليها، اقترح الإمام إنشاء المجلس الاستراتيجي الأعلى للتنمية، عقب المؤتمر الاقتصادي القومي مباشرة، ليكون المرجعية التنفيذية لمخرجات المؤتمر، وتُسند إليه المهام التالية على مستوى التخطيط الاستراتيجي:
• وضع خطة التنمية لمدد قصيرة ومتوسطة وطويلة، وإصدار دليل استثماري للسودان يوضح الموارد في المجالات الرئيسة آنفة الذكر.
• الإشراف على تكوين عدة مجالس قطاعية متخصصة لمتابعة التنفيذ.
وقد أوضح الإمام أن الهدف من إنشاء هذا المجلس هو توجيه الاستثمارات وضمان الاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية والبشرية، مع التركيز على العدالة الاجتماعية، ومكافحة الفقر، وتحقيق الأمن الغذائي.
خاتمة
كما أبنّا في هذا المقال، فإن مشروع الإمام الصادق المهدي لم يكن مجرد اجتهاد فكري محض في قضايا الهوية والعقد الاجتماعي، بل امتد ليشكل برنامجاً متكاملاً للإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي. لقد جمع بين الفكر والبرامج، وبين الشرعية الدينية والدستورية، وبين استحقاقات الداخل والتزامات الخارج، في رؤية تسعى لبناء دولة مدنية ديمقراطية عادلة، قادرة على استنهاض موارد السودان ومواجهة تحدياته التاريخية.
إن هذه الرؤية تظل مرجعاً حيوياً لأي جهد وطني يسعى إلى إعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس جديدة بعد الحرب والدمار الذي ألحقته بالسودان وأهله.
وفي الختام، يمكن تلخيص المشروع في سياق ثلاثة مرتكزات محورية وردت في نموذج الإمام المقترح:
أولاً: النظام السياسي الجديد: ديمقراطية توافقية تحد من عيوب التنافسية المطلقة، ونظام رئاسي قوي (أمريكي/فرنسي)، مع التزام بحقوق الإنسان، والشفافية، والمشاركة، والمساءلة.
ثانياً: النظام الاقتصادي الجديد: رأسمالية اجتماعية تكافلية توازن بين الحرية الاقتصادية ودولة الرعاية الاجتماعية، والشراكة بين القطاعين العام والخاص والنقابات.
ثالثاً: البدائل المرفوضة: المشروع المدني الإخواني والخيار العسكري، وكلاهما فشل في السودان. والاستقرار مرهون بالديمقراطية الرشيدة والنموذج الاقتصادي العادل.
في المقال التالي نستعرض، بإذن الله، تجربة الإمام في رئاسته الأولى في ستينيات القرن الماضي، والدروس والعبر المهمة التي أتمنى على الأجيال الصاعدة من شباب السودان ــ بعد أن يسترد أهل السودان بلادهم بعون الله ــ أن يدرسوها ويتأملوا فيها بجدية واهتمام.




التعليقات (0)
جاري التحميل...