طاهر المعتصم

في السودان، لم تعد الأزمة تحتاج إلى كثير شرح. هي حاضرة في شحِّ المحروقات، وفي الهاتف الذي يعجز عن فتح تطبيق "بنكك"، وفي المزارع الذي يترقب موسمًا زراعيًا لا تبدو مؤشراته مطمئنة، وفي المواطن الذي يطرح السؤال ذاته كل صباح: إلى أين تمضي البلاد؟

أزمة الوقود ليست مجرد طوابير أمام محطات الخدمة، وتعطل التطبيقات المصرفية ليس عطلًا تقنيًا عابرًا. فعندما يصبح التطبيق المصرفي شريانًا رئيسًا لحركة الأموال والتجارة، فإن توقفه يربك حياة الناس ويضيف ضغطًا جديدًا على اقتصاد أنهكته الحرب. وإذا أضيف إلى ذلك ضعف مؤشرات الموسم الزراعي، فإن الصورة تصبح أكثر قلقًا.

في هذا المشهد، يقول الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في لقاء مع إعلاميين، إن أداء حكومة كامل إدريس غير مستحسن. وبالتزامن، تعود مسألة الإشراف العسكري على الوزارات والملفات التنفيذية، بعد أن رُفع قبل نحو عام ونصف العام.

وهنا يبرز السؤال: إذا كان رئيس الوزراء قد جاء على أساس إدارة حكومة تنفيذية، فما الذي يتبقى من صلاحياته مع عودة الإشراف العسكري؟ وهل يتحول منصبه، عمليًا، إلى ما يشبه "الوزير الأول"، بينما تظل الكلمة النافذة في الملفات التنفيذية خارج مجلس الوزراء؟

والأهم: هل أعاد الإشراف العسكري الأمور إلى نصابها؟

حتى الآن، لا.

فالوقود لم يستقر، والتطبيقات المصرفية لا تزال عرضة للتعطل، والموسم الزراعي يواجه تحديات، والاقتصاد يواصل دفع كلفة الحرب. لذلك لا تبدو المشكلة في وزير بعينه، ولا في رئيس الوزراء وحده.

وبصراحة، فإن إقالة كامل إدريس، بالرغم من أن أداء حكومته يستحق المراجعة والمساءلة، ليست هي الحل. فتغيير الأشخاص من دون تغيير طريقة إدارة الدولة لن يؤدي إلا إلى تدوير الأزمة.

الحل يبدأ بإرادة سياسية حقيقية لإنهاء الحرب، ومحاصرة مشروع تفكيك السودان، واستعادة مؤسسات الدولة لدورها، والانتقال إلى حكم مدني ديمقراطي، وبرلمان يمارس الرقابة والمساءلة، وصحافة حرة تستطيع أن تسأل وتنقد.

ويبدأ كذلك بتصفير مشاكل السودان الخارجية، وبناء علاقات متوازنة تحمي المصالح الوطنية وتفتح الطريق أمام التعافي.

قد يتغير رئيس الوزراء، وقد يتغير الوزراء، وقد يعود الإشراف العسكري أو يتراجع، لكن الأزمة ستظل قائمة ما لم تتغير طريقة إدارة الدولة.

فالسؤال ليس: من يجلس على الكرسي؟

السؤال: الأزمة مكانها وين؟

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...