محمد الأمين عبد النبي
كشفت صحيفة "صوت الأمة" عن شروع المؤتمر الوطني في إعادة توزيع عناصره المشاركين في القتال، فيما وصفته بـ"إعادة التموضع". ويعكس ذلك، في جوهره، اعترافًا ضمنيًا بأن هذه التشكيلات تحوّلت من أدوات نفوذ إلى عبء سياسي وأمني. ويتقاطع ذلك مع ما طرحه الأستاذ عادل الباز في مقاله "خلف ستار الهدنة: قراءة في الوثيقة المسربة"، بشأن استبعاد الإسلاميين من العملية السياسية. غير أن القضية تتجاوز جدل الإقصاء والمشاركة؛ فلم يعد السؤال كيف يستعيدون السلطة، ولكن كيف يحافظون على بقائهم بعدما فقدوا أدوات التأثير والنفوذ.
لقد تجاوزت أزمة الحركة الإسلامية خسارة السلطة إلى أزمة وجودية تمس بنيتها التنظيمية ومرجعيتها الفكرية وعلاقتها بالدولة والمجتمع. فما تواجهه اليوم ليس نتاج عقوبات خارجية أو صراع مع المؤسسة العسكرية، وإنما حصيلة مسار طويل اتسم بإنكار الواقع، وغياب النقد الذاتي، والإصرار على إعادة إنتاج الخيارات ذاتها بالرغم من ثبوت إخفاقها. وحين تُغلق أبواب المراجعة، ويُستعاض عن الاعتراف بالمسؤولية بإعادة تدوير الخطاب القديم، يصبح الانهيار نتيجة طبيعية، مصداقًا لقوله تعالى: (ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَٰذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ).
وقد اضطلعت الحركة الإسلامية وواجهاتها الإعلامية والسياسية بدور رئيس في تعبئة الرأي العام للحرب، ثم تعامل الإسلامويون مع اندلاعها بوصفها فرصة لإعادة إنتاج نفوذهم، وإسقاط ما تبقى من مكتسبات ثورة ديسمبر، واستعادة مواقعهم المفقودة. ويعكس ذلك منهجًا سياسيًا قدّم منطق القوة على السياسة، والسلاح على التنافس الديمقراطي، فلم تُقرأ الحرب باعتبارها كارثة وطنية تهدد بقاء الدولة، وإنما باعتبارها نافذة للعودة إلى السلطة.
غير أن رهانات الحرب جاءت معاكسة لتوقعاتهم؛ فلم تستعد الحركة الإسلامية سلطتها، بل ازدادت عزلة داخليًا وخارجيًا، وتَعَزَز الانطباع بأنها لا تزال عاجزة عن الفصل بين العمل السياسي والعمل العسكري، وتنظر إلى السلاح بوصفه أداة لتشكيل المجال السياسي. كما أسهمت العقوبات الدولية، إلى جانب الرفض الواسع من القوى المدنية، في تضييق فرص عودتها إلى المشهد بالصيغة التي حكمت بها البلاد سابقًا.
واليوم، تحولت الحركة الإسلامية إلى مجموعات متنازعة تستنزفها الولاءات الشخصية والقبلية، من دون قيادة موحدة أو رؤية جامعة. لذلك تبدو دعوات توحيد الإسلاميين أقرب إلى محاولة لجمع شتات فقد الرابط الذي كان يجمعه، منها إلى مشروع سياسي قابل للحياة. كما أن الحديث عن إعادة التموضع لا يعكس قوة كامنة، بقدر ما يكشف عن محاولة للتكيف مع واقع فرضته الهزائم والعزلة.
ومن هنا، فإن الإشكال لا يتعلق بمبدأ مشاركة الإسلاميين في الحياة السياسية، وإنما بعجزهم عن فك الارتباط بين العمل السياسي والعمل العسكري، وعن تقديم أنفسهم بوصفهم فاعلًا مدنيًا يحتكم إلى الوسائل الديمقراطية لا إلى العنف.
ولعل أكبر أخطاء الإسلاميين تمثلت في سوء تقديرهم للتحولات العميقة التي شهدها المجتمع السوداني. فقد تحولت العلاقة بينهم وبين قطاعات واسعة من الشعب من خلاف سياسي إلى أزمة ثقة، بعدما ارتبط مشروعهم، في الوعي العام، بالاستبداد والتمكين والفساد، ورسختها ممارسات الإقصاء وتبرير العنف. والمفارقة أن المشروع الذي بنى حضوره طويلًا على إقصاء خصومه انتهى إلى الانقسام على نفسه.
إن مأزق الإسلامويين اليوم ليس أزمة إقصاء، بل أزمة مشروع فقد شرعيته السياسية والأخلاقية. ولن يكون لأي حديث عن العودة إلى المجال العام معنًى ما لم يسبقه اعتراف صريح بالمسؤولية عن انقلاب 1989م، وسياسات التمكين والفساد، والإسهام في إشعال الحرب وما خلّفته من مآسٍ. فالمستقبل لا يبدأ بإعادة التموضع، وإنما بإعادة المراجعة.




التعليقات (0)
جاري التحميل...