عامر علي الحاج

 

منذ انتصار ثورة ديسمبر ٢٠١٨م، ظلّ الإصلاح الأمني والعسكري هو العنوان المؤجَّل في كل مسارات الانتقال السياسي في السودان. وجاءت حرب ١٥ إبريل ٢٠٢٣م لتضع هذا الملف في موقعه الحقيقي: ليس بندًا تفاوضيًا قابلًا للتأجيل، بل شرطًا تأسيسيًا لأية دولة قابلة للحياة. فالحرب لم تكن حادثًا مفاجئًا، بل انفجارًا متأخرًا لفشلٍ مزمن في الاتفاق على معنى "الجيش الواحد" ودوره وحدوده داخل الدولة.

انفجرت الحرب بسبب عجز طرفي المكون العسكري عن التوافق داخل ورشة الإصلاح الأمني والعسكري، لا بسبب تفاصيل فنية حول الدمج أو الترتيب الزمني، بل بسبب الأجندات السياسية لقيادات القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وبسبب حضور فاعلين مسلحين آخرين، غابوا شكليًا عن طاولة التفاوض لكنهم كانوا حاضرين بمصالحهم وسلاحهم. عمليًا، تحولت الجيوش والميليشيات في السودان إلى أحزاب سياسية مسلحة، وهو ما ظهر بوضوح في تشكيلات السلطة بعد الحرب، سواء في حكومة الدكتور كامل إدريس، أو في سلطة نيالا المعلنة تحت لواء "تأسيس"، الخاضعة كليًا لبندقية الدعم السريع.

تشكيل ما عرف لاحقًا بـ"المكون العسكري" سبق حتى ظهور مصطلح "المكون المدني". فقد أعلن الفريق أول عوض بن عوف، في بيان الإطاحة بنظام الإنقاذ، ما سماه "اللجنة الأمنية العليا للنظام السابق"، قبل أن يتنحى ويسلّم السلطة للفريق ركن عبد الفتاح البرهان، الذي سمّى قائد قوات الدعم السريع نائبًا له. منذ تلك اللحظة، تكرّس ثنائي الجيش والدعم السريع كقلب السلطة، بينما خضعت الشرطة وجهاز الأمن لسلطة القائد العام.

بعد ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م، أُضيفت الحركات المسلحة إلى المعادلة عبر "مجلس الشركاء"، فتوسّع المكون العسكري بدل أن يُعاد تفكيكه. ومع اندلاع حرب إبريل، جرى تحميل بعض القوى المدنية مسؤولية سياسية أخلاقية بدعوى تحالفها السابق مع الدعم السريع أو رفضها الانحياز المطلق للجيش، وفق منطق "من ليس معنا فهو ضدنا".

غير أن أزمة القوى السياسية مع الجيش أقدم بكثير من الدعم السريع نفسه. فهي أزمة تتعلق بدور القوات المسلحة في الدولة، وبعلاقتها بالدستور والقانون، في بلد حكمته أنظمة عسكرية مباشرة لأكثر من ٥٢ عامًا قبل ٢٠١٩م. لذلك لا يمكن تبييض تاريخ المؤسسة العسكرية بهذه الحرب، لأنها حرب المكون العسكري على نفسه، لا حرب السياسة ضد الجيش.

اليوم، وبعد حلول القوات المشتركة، وقوات درع السودان، وكتائب البراء، والمستنفرين، محل قوات الدعم السريع في مساحات واسعة، يتكرّس الخطر ذاته: تعدد مراكز القيادة، وتسييس السلاح، وغياب مركز قرار موحّد. دون إصلاح أمني وعسكري حقيقي، يسبق أية تسوية سياسية، ستبقى البلاد عالقة في حالة "اللاحرب واللاسلام"، وهي في جوهرها استدامة للحرب، مع تأجيل الانفجار القادم بوجوه جديدة.

الإصلاح الأمني والعسكري ليس خيارًا، بل هو المقدمة الضرورية الوحيدة لأي حديث جاد عن دولة، أو سياسة، أو انتقال. وما لم يُحسم هذا الملف من جذوره، فإن السودان لن يغادر مربّع الانهيار، مهما تغيّرت التحالفات أو الشعارات.

 

 

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...