زورق الحقيقة

أبو هريرة زين العابدين عبد الحليم

تقديم:

مع استمرار كريهة السودان وتحوّلها إلى صراع ممتد الأمد يتلوى كأفعى في جيد الوطن تهدد الدولة والمجتمع معًا، تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في مفهوم النصر نفسه الذي وعدونا به بأنه سوف يتحقق خلال ساعات. فالحروب الحديثة، خصوصًا في الدول الهشّة، نادرًا ما تُحسم عسكريًا، بينما كُلفتها الإنسانية والاقتصادية والسياسية تتجاوز أي مكاسب محتملة.

في هذا السياق، يبرز مفهوم الانتصار بلا حرب كخيار استراتيجي بديل، يقوم على تحقيق الأهداف السياسية والاجتماعية عبر أدوات غير عسكرية، مستندًا إلى فلسفات تاريخية وتجارب عالمية، أثبتت أن القوة لا تُقاس دائمًا بعدد البنادق والمدرعات، إنما بقدرة المجتمع على خلق الاستقرار. سوف أحاول الحج العقلي في الموضوع، أو كما قال ابو حيان التوحيدي: "الحج العقلي إذا ضاق الفضاء إلى الحج الشرعي". فما دمرته الحرب يحتاج لعشرات السنين للرجوع فقط لوضع ما قبل الحرب.

 

تعريف المفهوم

"الانتصار بلا حرب"، هو نهج استراتيجي يسعى إلى تحقيق مكاسب سياسية أو ميدانية دون اللجوء إلى القتال المباشر. يقوم هذا النهج على تفكيك قدرة الخصم على الاستمرار في الحرب، وكسب الشرعية الشعبية والدولية، وبناء ميزان قوة جديد يعتمد على القوة الناعمة والحرب غير المباشرة بدلًا من المواجهة المسلحة. فطبعًا بعض أهل اليسار -هداهم الله- سخروا من ذلك ونعتوه بالهبوط الناعم كمذمة وإنما هو مزمة في إنزاله، والمزمة هي الجرعة الصغيرة من الماء، والمذمة هي قبيح الأفعال. 

سوف أحاول تفكيك المفهوم وتصريحات الجنرالات أنهم سوف يواصلون الحرب لآخر عسكري، ويذكرني ذلك بالمقولة: لن يكون الناس أحرارًا حتى يُشنق آخر قسيس بأمعاء آخر ملك"، وأشهر من تُنسب إليه هو الفيلسوف الفرنسي دنيس ديدرو. فهل لا يكون السودانيون أحرارًا إلا بشنق آخر كوز بأمعاء آخر جنرال كوميشن أو جنرال خلاء -كما يحلو للسودانيين نعتهم-.

 

الجذور الفلسفية للمفهوم: 

ما يمكن أن تقوم به القوى السياسية المدنية من دون الاصطفاف مع أحد أطراف الحرب، ومن تجارب التاريخ هاكم بعض النماذج على عجل:

1. صن تزو: كسر مقاومة العدو دون قتال.

في كتاب فنِّ الحرب، يضع صن تزو قاعدة مركزية: "أعلى مراتب المهارة هي كسب الحرب دون قتال".

هذه الفلسفة تقوم على إنهاك الخصم سياسيًا وعزله شعبيًا وتجفيف مصادر قوته، فهل قرأ جنرالاتنا في الاستراتيجيات أم كل ثقافتهم ومحدوديتها في إدارة لواء أو فرقة دون التبحر في المعرفة وعلم الاستراتيجية، ويظنون أنهم سوف ينتصرون في حروب لا منتصر فيها لو قرأوا التاريخ لما فعلوا. فحرب الجنوب جُرّبت نفس الوصفة من إعلان الجهاد للكرامات للانتهاء بالتفاوض وفصل الجنوب. فالآن يقرأون من نفس الكراسة.

2. غاندي: اللا عنف كقوة سياسية:

أثبت غاندي أن اللا عنف هو موقفٌ أخلاقيٌّ واستراتيجية فعّالة، قادرة على إسقاط أنظمة استعمارية وشمولية عبر المقاومة المدنية وتنظيم المجتمع. فمثلًا، عندما ضايقه الإنجليز وحاصروه قال إنه يريد أن يذهب راجلًا للعمل في مجال الملح، وفي حجه ذلك تبعه عشرات الآلاف وتحوَّل التنقيب عن الملح لثورة ناعمة. أذكر أيام التجمع كانت أدوات النضال، العزل السياسي، العزل الدبلوماسي، الانتفاضة وتفكيك النظام عبر التفاوض والانتفاضة العسكرية المسلحة، وفي النهاية فكك النظام التجمع تفاوضًا.

3. نظريات الردع السياسي والاجتماعي: الردع والنصر لا يتحققان بالسلاح فقط، بل يمكن ذلك بـ: وحدة الجبهة الداخلية، والشرعية الأخلاقية والسياسية والاجتماعية، والضغط الدولي، وهي عناصر يمكن أن تشكل أساسًا كبديل واقعي للحرب، يمكن للشعب السوداني وقواه السياسية المدنية الحية القيام بذلك جذريًا وحركيًا. وفي البيان الأخير الذي يمثل المجتمع الدولي بمنظماته، ربما سوف يتم فرض حلول عبر ضغط وعقوبات وتشكيل جبهة مدنية لتقود الحكم المدني.

كيف يمكن تطبيق مفهوم الانتصار بلا حرب في جمهورية الفقر والحرب من قبل القوى السياسية المدنية؟

1. تجفيف مصادر الحرب، فبدلًا من المواجهة العسكرية، يمكن التركيز على الضغط على المجتمع الدولي والإقليمي:

• العمل على وقف التمويل ووقف سباق التسلُّح. 

• العمل على تجميد الأصول وكشف الفساد والأموال، مثل ما تقوم به لجنة التفكيك بعد إعادة عملها، ويجب دعمها.

• منع التجارة غير المشروعة وتهريب الذهب والصمغ، وكشف كل ذلك ومتابعة الحسابات لإعادة الأموال المنهوبة مستقبلًا.

• عزل الداعمين للحرب من قوى سياسية تعمل كأجنحة سياسية للحرب وروادها.

هذه الأدوات تحقق انتصارًا استراتيجيًا لوقف الكريهة دون إطلاق رصاصة.

2. بناء جبهة مدنية موحدة، الانتصار بلا حرب يتطلّب:

• خطابًا سياسيًا موحدًا في هزيمة الحرب وهزيمة من يدعمها وتجريدهم أخلاقيًا وسياسيًا واجتماعيًا.

• قيادة مدنية ذات شرعية.

• رؤية واضحة لمستقبل الدولة، وكيف يحكم السودان، ومشروع دستور متفق عليه.

• دعم شعبي واسع، والعمل وسط الجماهير لتجريد الحرب من أية شرعية.

بهذا يتحول ميزان القوة من "قوة السلاح" إلى قوة المجتمع وقوة السياسة وفصل البندقية عن السياسة.

3. كسب الشرعية الدولية: عندما يلتزم طرف ما بالقانون الدولي وحقوق الإنسان، فإنه يكسب دعمًا دوليًا يعادل قوة الجيوش، ويضع خصومه في خانة العزلة الأخلاقية والسياسية. فالطرفان المتقاتلان يفتقدان ذلك، فعلى الشعب تشجيع الالتزام بذلك، وكلنا يتابع بيانات الإدانة من القوى السياسية لأطراف الحرب عندما تنتهك حقوق الإنسان. وعلَّها تطور ذلك لمشروع عمل بين التحالفات المدنية ومنع أية بندقية في مستقبل العمل السياسي، ورفض التمليش مستقبلًا بتكوين جيش قومي واحد يخضع للحكم المدني الديمقراطي.

4. الضغط الشعبي السلمي: العصيان المدني، الإضرابات، المقاطعات، والحملات الإعلامية، أدوات فعّالة أثبتت نجاحها في دول عديدة، ويمكن أن تكون جزءاً من استراتيجية اللا عنف في السودان ورفض الحرب. أي أساليب الجهاد المدني. وأذكر أن الإمام الصادق المهدي -عليه الرحمة- وهو في غيهب سجنه الحلوك عام ٨٩ بعد انقلاب الجبهة الإسلاموية، كتب مقالًا نشر في جريدة "الشرق الأوسط" وطبع في كتيب في القاهرة ونحن طلاب في يفاعتنا بعنوان: "السودان إلى أين... إعلان الجهاد المدني".

 

أمثلة عالمية على الانتصار بلا حرب:

جنوب إفريقيا: سقط نظام الفصل العنصري عبر مقاومة وضغط دولي وعزلة اقتصادية، دون حرب شاملة. وبعد فوز دي كليرك على الكهل المتطرف بوتا، بدأ باتصالات مع مانديلا في داخل سجنه الطويل في جزيرة روبن التي مكث فيها ٢٨ عامًا وتجاوب مانديلا مع ذلك واتهمه رفاقه ببيع القضية واتهم بالهبوط الناعم، ولكنه كان صاحب بصر وبصيرة وبالفعل تم تفكيك نظام التفرقة العنصرية وفاز مانديلا في أول انتخابات، وأذكر ذلك من كتابه "مشوار الحرية الطويل" لو صحت ترجمتي.

الفلبين: أطاحت "ثورة القوة الشعبية" بنظام ماركوس عبر احتجاجات سلمية وانحياز الجيش للشعب.

أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي: انهار الاتحاد السوفييتي من دون مواجهة عسكرية مباشرة، نتيجة ضغط اقتصادي وتفكك داخلي وفساد، وأذكر أن غورباتشوف في كتابه "البرويستوريكا، وتعني الإصلاح وإعادة الهيكلة، والغلاسنوست التي تعني الشفافية". حيث قال إنه وجد الدولة في حالة تعفن. وبدأت أوروبا الشرقية بربيع براغ والشاعر فاسفلاف هافيل، حيث يقود الثورة الساسة والمفكرون لا المتعطشين للسلطة من الجنرالات من كوميشن وجنرالات خلاء، وفي رومانيا أطلق الرصاص على نيكولاي تشاوسيسكا، وتحرَّرت أوروبا الشرقية وانهار سور برلين أو "حيطة برلين" كما كان يقول حبيبنا د. عمر نور الدائم.

هذه النماذج تؤكد أن الانتصار بلا حرب ليس فكرة مثالية، بل خيارًا عمليًا. فربما يبرز جنرال عاقل مثل ديجول أو فرنكلين رزوفلت، ويقود جيشًا ينتصر على الطرفين وحربهم، ويوقف الحرب ويجعل السياسة تسبق البندقية، وليس التحكم للبندقية في السياسة.

 

لماذا هذا المفهوم مهم للسودان اليوم؟

كريهة السودان لا يمكن حسمها عسكريًا، فهي دمرت وتدمّر المدن والبنية التحتية، تقتل المدنيين، تهدد وحدة البلاد وتغذي التدخلات الخارجية ولا أمل في انتصار طرف، فقد بشرونا أولًا أنها سوف تنتهي في ثلاث ساعات، كما قال له رئيس شعبة استخباراته، وبعد ذلك قالوا أسابيع ثم شهورًا وها نحن في رابع السنوات ولا أمل.

بينما "الانتصار بلا حرب" يحفظ الأرواح ويحافظ على وحدة الدولة ويعيد الشرعية للحكم المدني وللعقل، ويوقف الانهيار في كلِّ شيء، ويفتح باب الانتقال السياسي الذي أغلقه العسكر بالبندقية والكاكي.

إنه خيار واقعي في لحظة تتطلب العقل والمعرفة والتفكير الاستراتيجي لا السلاح.

خاتمة

في ظلِّ حرب تستنزف السودان وتدفعه نحو التفكك، يصبح مفهوم "الانتصار بلا حرب" ضرورة وطنية، وأخلاقية، وسياسية، وعسكرية. فالحسم العسكري لم يعد ممكنًا، والرهان على القوة المسلحة لم تعد طريقًا للسلام أو الاستقرار، وجربنا ذلك لسنوات فماذا حصدنا.

وحده الانتصار السياسي والاجتماعي القائم على وحدة المجتمع، وتجفيف مصادر الحرب، وكسب الشرعية يمكن أن يفتح الباب أمام مستقبل مختلف. إنه انتصار يحفظ وطننا الحبيب، ويعيد بناء الثقة، ويمنح السودانيين فرصة لالتقاط أنفاسهم، بعيدًا عن دوامة الدم التي لم تجلب سوى الخراب. فهل يعقل الجنرالات أم يفكرون في إدارة الوطن كإدارة معركة، فالوطن ليس معركة كما في عقل الجنرالات. فهل لنا بعاقل من الجنرالات لإيقاف هذه الحرب العبثية كما قال قادتها.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...