د. محمد الواثق عبد الحميد الجريفاوي
يعد القائد الشاب محمد أحمد المهدي من أعظم الشخصيات السودانية، بلا منازع، وفي الوقت نفسه، ربما كان من أكثر الشخصيات السودانية التي تعرضت للظلم في قراءة سيرتها ومشروعها، لا بسبب خصومها وحدهم، وإنما أيضاً بسبب بعض الذين جاؤوا بعده، وحوّلوا الرجل من شخصية تاريخية وطنية واسعة الدلالة إلى رمز داخل أطر سياسية واجتماعية ضيقة.
وهنا تكمن المفارقة: قد يُظلم التاريخ بخصومة الأعداء، لكنه قد يُظلم أكثر حين يتولى "أولو القربى" إعادة تعريفه وفق حاجاتهم ومواقعهم السياسية.
فالظلم الذي لحق بالإمام المهدي يمكن النظر إليه في أكثر من مستوى.
أول هذه المستويات هو الدعاية الاستعمارية والمناوئة للمهدية، فقد كان المهدي قائداً لثورة واجهت الحكم التركي المصري، وما ارتبط به من مصالح ومراكز قوى وجماعات استفادت من ذلك النظام، ولذلك كان من الطبيعي أن تنتج السلطة وخصومها خطاباً مضاداً للمهدية، يصور المهدي باعتباره خطراً على الاستقرار، ويضع مشروعه في إطار ديني أو شخصي أو قبلي، بدلاً من قراءته بوصفه حركة سياسية واجتماعية كبرى غيّرت مسار السودان.
ولم تكن المعركة يومها معركة سلاح فقط؛ فقد كانت أيضاً معركة على تعريف الرجل نفسه: هل هو قائد وطني؟ أم صاحب دعوى دينية؟ أم ثائر على السلطة؟ أم شخصية دينية استثنائية؟ وهذه الأسئلة ظلت حاضرة في الكتابة عن المهدي حتى بعد سقوط دولته.
لكن الظلم لم يتوقف عند خصوم المهدية.
من الرمز الوطني إلى الرمز السياسي:
بعد وفاة الإمام المهدي، دخل السودان في مرحلة مختلفة، وتحولت المهدية، التي كانت في حياة صاحبها مشروعاً ثورياً عابراً للجهات والقبائل، إلى دولة لها صراعاتها الداخلية، ثم إلى ذاكرة سياسية واجتماعية.
وفي هذا السياق بدأ تأطير المهدي داخل الانقسامات السياسية والاجتماعية التي نشأت بعد وفاته.
فبدلاً من أن يبقى المهدي رمزاً لثورة سودانية كبرى واجهت حكماً أجنبياً، أخذ يُقرأ أحياناً من خلال ثنائية "البحر والغرب"، ومن خلال الصراع الذي نشأ داخل الدولة المهدية، ثم تطور لاحقاً إلى قراءات جهوية وقبلية للمهدية ورجالها.
وهنا حدث تحول بالغ الأهمية:
الرجل الذي جمع السودانيين حول مشروع ثوري صار يُستدعى أحياناً بوصفه رمزاً لصراع السودانيين فيما بينهم.
وهذا لا يعني أن الانقسامات الاجتماعية والسياسية التي صاحبت المهدية لم تكن حقيقية، ولا يعني أن الخلفيات الجهوية والقبلية لم تؤثر في السياسة المهدية، لكن المشكلة تبدأ حين تصبح هذه الخلفيات التفسير الوحيد للرجل ومشروعه، فتختزل التجربة كلها في صراع "بحر" و"غرب"، أو في صراع مجموعات، بينما يتم تجاهل طبيعة المشروع السياسي والاجتماعي الذي استطاع أن يهز واحدة من أعتى القوى الاستعمارية في القرن التاسع عشر.
ثم جاءت مرحلة أخرى من التأطير:
ومع نشوء الحركة السياسية الحديثة، أصبح الإمام المهدي مرتبطاً بصورة متزايدة بـطائفة الأنصار ثم حزب الأمة.
وهنا لا أتحدث عن علاقة تاريخية لا يمكن إنكارها، ولا عن حق الأنصار أو حزب الأمة في الاعتزاز بتراث المهدي؛ فذلك جزء من التاريخ السياسي السوداني.
لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو:
هل يجوز أن يتحول الرمز الوطني إلى ملكية سياسية؟
فحين يصبح الإمام المهدي في الوعي العام رمزاً لطائفة أو حزب، فإن جزءاً من السودانيين قد يشعر، ولو بصورة غير واعية، بأن الرجل "ينتمي إلى جماعة بعينها"، وليس إلى تاريخ السودان كله.
وهنا تكون السياسة قد فعلت بالرمز الوطني ما فعلته الدعاية الاستعمارية من زاوية أخرى: ضيّقت مجال دلالته.
الاستعمار أراد أن يرى في المهدي خصماً ينبغي تشويهه، والصراع الداخلي جعله رمزاً في مواجهة "الآخر السوداني"، ثم جاءت السياسة الحديثة فربطته بتنظيم سياسي محدد.
وفي الحالات الثلاث، اختلفت الأدوات، لكن النتيجة واحدة:
إخراج المهدي من فضاء الرمز الوطني الجامع إلى فضاء التأطير الخاص.
ظلم أولي القربى:
ولذلك فإن عنوان "ظلم أولي القربى" ليس المقصود به اتهام الأنصار أو أحفاد المهدي أو حزب الأمة بظلم الرجل عمداً.
المقصود أعمق من ذلك.
فأقرب الناس إلى الرمز هم أكثر الناس قدرة على احتجازه داخل رواية واحدة.
وحين يصبح الانتماء إلى المهدي جزءاً من هوية سياسية، يصبح من الصعب أن يراه الآخرون كما هو: شخصية تاريخية مفتوحة على قراءات متعددة.
وهذا ما يجعل "أولي القربى" - بالمعنى المجازي - قد يظلمون الرجل من حيث يريدون الاحتفاء به.
فهم يحفظون اسمه، ويحيون ذكراه، ويرفعون رايته، لكنهم قد يسهمون في الوقت نفسه في حصر دلالته.
المهدي أكبر من المهدية السياسية:
الإمام المهدي في تقديري أكبر من الدولة التي أقامها، وأكبر من الصراعات التي نشأت بعد وفاته، وأكبر من الطائفة التي حملت تراثه، وأكبر من الحزب الذي أصبح لاحقاً أحد أهم روافد السياسة السودانية.
إن قيمة الرجل التاريخية لا ينبغي أن تقاس فقط بمدى اتفاقنا أو اختلافنا مع دعوته الدينية، ولا بنتائج تجربته السياسية، ولا بمواقفنا من خليفته أو من الدولة المهدية.
الأجدى أن نقرأه بوصفه صاحب مشروع تاريخي غيّر بنية السودان السياسية والاجتماعية، وأعاد تعريف علاقة السودانيين بالسلطة، وبالأرض، وبالخارج، وبأنفسهم.
ومن هنا فإن تحرير الإمام المهدي من التأطير السياسي لا يعني نزع الرجل من الأنصار، ولا نزع المهدية من حزب الأمة، وإنما يعني العكس تماماً:
إعادة المهدي إلى مكانه الطبيعي داخل الذاكرة الوطنية السودانية، بحيث يكون للأنصاري حق الاعتزاز به، ولغير الأنصاري حق الاحتفاء به، وللباحث حق نقده، وللسوداني - أياً كان موقعه - أن يراه جزءاً من تاريخه الوطني.
وهذا هو الفرق بين امتلاك الرمز والانتماء إليه.
فالرمز الوطني لا ينبغي أن يكون ملكاً لأحد؛ لأنه، بمجرد أن يصبح وطنياً، يصبح ملكاً للتاريخ وللأجيال.
وربما كان أعظم إنصاف للإمام المهدي اليوم ألا ندافع عنه دفاع الطائفة، ولا نهاجمه من موقع الخصومة السياسية، وإنما أن نعيد قراءته كشخصية سودانية صنعت لحظة فارقة في تاريخ البلاد؛ نختلف معها حيث ينبغي الاختلاف، ونقدر إنجازها حيث ينبغي التقدير.
فإذا كان خصومه قد ظلموه حين حاولوا اختزاله في صورة "المتعصب" أو "الدجال" أو "الخطر"، فإن من الإنصاف أيضاً أن نسأل أنفسنا:
ألم نظلمه نحن حين اختزلناه في الطائفة، أو الحزب، أو الجهة، أو في جدلية البحر والغرب؟
ذلك، في تقديري، هو ظلم أولي القربى.
وربما يكون السؤال الأهم الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس:
هل كان الإمام المهدي عظيماً؟ فهذا أمر يمكن أن يختلف الناس حول أسبابه وتفاصيله، وإنما: كيف استطعنا أن نحول أحد أعظم رموز التاريخ السوداني من رمز وطني جامع إلى رمز محاط بكل هذه الأطر السياسية والجهوية والطائفية والأسرية؟
وهنا يصبح "ظلم أولي القربى" ليس اتهاماً لأحد، وإنما مراجعة سودانية جماعية لطريقة امتلاكنا لذاكرتنا الوطنية.




التعليقات (0)
جاري التحميل...