عامر الحاج

 

ثمة شيء لم نفكر فيه كثيرًا ونحن نتحدث عن عودة السودانيين إلى بلادهم بعد الحرب: العودة ليست عكس الخروج بالضرورة.

الخروج من السودان كان، بالنسبة إلى كثيرين، فعلًا اضطراريًا. لم يخرجوا بحثًا عن فرصة أفضل، وإنما هربوا بحياتهم، تاركين وراءهم بيتًا وأهلًا وعملًا وذكريات، وهم يظنون أنهم سيعودون بعد أيام أو أسابيع.

ثم مضت الشهور والسنوات.

وحين يفكر هذا الإنسان اليوم في العودة، تبدو المسألة لأول وهلة بسيطة: هناك بلد تركته، وهناك بلد يريد أن يعود إليه. لكنها ليست بهذه البساطة. لأنه ربما لم يخرج من مكان إلى مكان، وإنما خرج من زمن إلى زمن.

تخيل إنسانًا غادر الأرض إلى محطة فضائية، وبقي هناك شهورًا أو عامًا ثم عاد. هو لم يذهب إلى كوكب آخر، لكنه عاش في بيئة تحكمها شروط مختلفة. الجاذبية تغيرت، والحركة تغيرت، والإحساس بالجسد تغير. وبعد العودة يحتاج جسده نفسه إلى إعادة التكيف مع الأرض.

لكن ماذا لو كانت الأرض قد تغيرت، لا في شكلها الفيزيائي، وإنما في قوانين الحياة عليها؟

هنا يمكن أن نفهم شيئًا من مأساة اللاجئ السوداني.

السوداني الذي خرج من الخرطوم في أبريل أو يونيو 2023 لا يعود اليوم إلى الخرطوم التي تركها. قد يجد الشارع نفسه، أو ما تبقى منه، وقد يجد البيت نفسه، أو أطلاله، وربما يلتقي بعض الوجوه التي يعرفها. لكن هذا لا يعني أنه عاد إلى العالم الذي خرج منه.

فالحرب لا تهدم المباني وحدها، الحرب تهدم نظام العلاقات الذي كان يجعل المباني صالحة للحياة.

الكهرباء ليست مجرد أسلاك، والماء ليس مجرد أنابيب، والشرطة ليست مجرد أفراد، والمدرسة ليست مجرد جدران، والسوق ليس مجرد دكاكين. كلها أجزاء من عالم واحد: الدولة والمجتمع والعمل والأمان والتوقع.

حين ينهار هذا العالم، يمكن أن تبقى الأشياء في أماكنها بينما تختفي وظيفتها.

قد يعود الإنسان إلى منزله فلا يجد المنزل الذي كان يعرفه، حتى إذا وجد جدرانه واقفة. وقد يمشي في الشارع نفسه، لكنه لا يعرف كيف يمشي فيه. وقد يلتقي أشخاصًا يعرف وجوههم، لكنه لا يعرف العلاقات التي نشأت بينهم خلال غيابه.

إنه كأنما عاد إلى المكان نفسه، لكن قوانين الحركة فيه قد تغيرت.

وهنا تلتقي مأساة اللاجئ السوداني مع واحدة من أقدم صور العودة في الشعر العربي: الوقوف على الأطلال.

كان الشاعر يعود إلى مكان شهد حبًا أو صبا أو حياة، فيجد الآثار. المكان موجود، لكن الحياة التي أعطته معناه اختفت. ولذلك لم تكن الأطلال مجرد خرائب، بل مواجهة بين المكان كما هو، والمكان كما كان في الذاكرة.

وهذا ما يجعل العودة مؤلمة.

فالإنسان لا يعود إلى المكان وحده؛ يعود إلى صورته القديمة عن المكان.

والسوداني الذي خرج من الخرطوم هاربًا من الحرب قد يجد عند عودته مدينة أخرى، لا بالضرورة في خرائطها وشوارعها، وإنما في شروط الحياة فيها: انفلات أمني، وتعدد قوى عسكرية، وضعف سلطة الدولة، وتراجع الخدمات والعمل والدخل، ومستقبل لا يستطيع الإنسان أن يبني عليه خطة.

لذلك، لا ينبغي أن نتعامل مع عودة اللاجئين باعتبارها مجرد فتح للحدود أو إعادة تأهيل للمنازل.

إنها إعادة بناء لعلاقة الإنسان بمكانه.

قد يكون اللاجئ مستعدًا للعودة إلى السودان، لكنه غير مستعد للعودة إلى الخراب. وقد يكون مستعدًا لتحمل صعوبة الحياة، لكنه غير مستعد للعيش في بلد لا يعرف من يحكمه، ولا يضمن فيه سلامته، ولا يجد فيه عملًا، ولا يستطيع أن يخطط فيه لمستقبل أبنائه.

والأهم: انتهاء إطلاق النار لا يعيد الزمن إلى الوراء.

فالسلام قد يوقف الحرب، لكنه لا يعيد تلقائيًا الدولة والثقة والعمل والتعليم والخدمات، والإحساس بأن الغد يمكن التخطيط له.

لهذا، قد تكون عودة اللاجئين أول اختبار حقيقي لما إذا كانت الحرب قد انتهت فعلًا.

فإذا عاد الناس ولم يجدوا دولة، ولا أمانًا، ولا عملًا، ولا تعليمًا، ولا قانونًا، ولا أفقًا، فقد عادوا إلى الأرض، نعم، لكنهم لم يعودوا بعد إلى الوطن.

فالوطن ليس المكان الذي تركناه خلفنا فقط.

الوطن هو المكان الذي نستطيع أن نرى فيه مستقبلنا أمامنا.

ولهذا، فإن أصعب ما ينتظر اللاجئ السوداني ليس عبور الحدود في طريق العودة، وإنما اكتشاف المسافة الهائلة بين السودان الذي خرج منه، والسودان الذي سيعود إليه.

إنها ليست مسافة جغرافية.

إنها مسافة زمنية.

خرج من السودان هاربًا من حرب، وقد يعود يومًا ليكتشف أنه كان، طوال سنوات الغياب، يسافر من زمن إلى زمن.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...